بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية أن بيان ولاية جهة الرباط-سلا-القنيطرة الأخير بشأن “سوق الصالحين” بسلا قدّم توضيحات مفصلة حول مسار توزيع المحلات، مؤكداً أن العملية تمت وفق مساطر قانونية دقيقة وتحت إشراف لجنة مختلطة تضم ممثلين عن السلطات المحلية وأمناء المهن وممثلي التجار والحرفيين، مع اعتماد معايير محددة، أبرزها “التواجد الفعلي” و“الممارسة الفعلية للنشاط” داخل السوق.
وأوضح المصدر ذاته أن القرعة جرت بناءً على لوائح إحصاء تعود لسنتي 2016 و2019، مع إخضاع الملفات لعملية تمحيص، أسفرت عن استبعاد عدد من الأسماء لعدم استيفائها شروط الاستفادة، سواء بسبب غياب الممارسة الفعلية أو بسبب انتماء بعض الحالات للوظيفة العمومية، إضافة إلى تسجيل حالات امتناع عن المشاركة في عملية القرعة، ما ترتب عنه عدم الاستفادة.
ورغم هذه التوضيحات، يُقرأ البيان من طرف عدد من المتتبعين كمحاولة لتهدئة الجدل القائم، والذي يتجاوز في عمقه تفاصيل المساطر إلى سؤال أكثر مركزية: لماذا لا تزال لوائح المستفيدين غير منشورة في مشروع ممول من المال العام؟
ويزداد هذا التساؤل إلحاحاً بالنظر إلى حجم الاستثمار الذي ناهز 34 مليار سنتيم، والرهانات التي رافقت هذا المشروع باعتباره رافعة اقتصادية لفائدة فئات مهنية.
غير أن تسجيل استمرار إغلاق عدد من المحلات، مقابل تزايد التظلمات، يعكس وجود فجوة بين الخطاب الرسمي وواقع التنزيل الميداني.
هذا التباين يطرح أكثر من احتمال، من بينها أن معايير الاستحقاق، رغم وضوحها النظري، قد لا تعكس بشكل كامل واقع الممارسة المهنية داخل السوق، أو أن هناك إكراهات عملية مرتبطة بمرحلة التنفيذ تستدعي مزيداً من التوضيح والتدقيق.
في هذا السياق، تبرز مسألة الشفافية كعنصر حاسم في تدبير مثل هذه المشاريع.
فإتاحة المعطيات الكاملة، وعلى رأسها لوائح المستفيدين، لا تُعد فقط إجراءً إدارياً، بل مدخلاً أساسياً لتبديد الشكوك وتعزيز الثقة، خاصة في ظل ما يُتداول بشأن إمكانية وجود استفادات غير متكافئة أو حالات تحتاج إلى توضيح إضافي.
كما أن الاكتفاء بالإشارة إلى حالات فردية، مثل استبعاد موظفين عموميين أو أشخاص لا يمارسون نشاطاً فعلياً، لا يجيب بشكل كامل عن جوهر النقاش العمومي، الذي يتركز حول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص وضمان توزيع عادل للمحلات.
إن استمرار عدم نشر لوائح المستفيدين، بدعوى احترام المساطر أو خصوصية المعطيات، لا يخدم صورة الإدارة الترابية بقدر ما يفتح المجال أمام قراءات وتأويلات متباينة؛ فالوالي محمد اليعقوبي، المعروف بصرامته في تتبع الأوراش الكبرى ودقته في تنفيذ المشاريع، يجد نفسه اليوم أمام اختبار عملي لمفهوم “السلطة المواطنة”.
فالمواطن السلاوي لا يحتاج فقط إلى تأكيدات بأن الأمور تسير وفق الضوابط، بل إلى معطيات واضحة تقطع الطريق على كل أشكال الشك وتؤكد أن معايير الاستفادة طُبقت بشكل عادل وشفاف.
إن نشر لوائح المستفيدين، في هذا السياق، لا يبدو مجرد إجراء تقني، بل خطوة أساسية لتعزيز منطق المؤسسات وترسيخ الثقة، في مقابل استمرار حالة من الغموض التي تغذي الجدل القائم.
فبين توضيحات المساطر وانتظارات الرأي العام، يظل الإفصاح عن الأسماء هو الفيصل الحقيقي بين منطق الشفافية ومنطق التأويل.
يظل نشر لوائح المستفيدين الخطوة الأكثر مباشرة لحسم هذا الجدل، ليس فقط من أجل توضيح المعطيات، بل أيضاً من أجل إعادة بناء الثقة بين الإدارة والمواطن، ووضع حد لحالة الشك التي تحيط بهذا الملف منذ انطلاقه.
