بقلم: الباز عبدالإله
مع اقتراب عيد الأضحى، يعود النقاش حول وضعية القطيع الوطني إلى الواجهة، لكن هذه المرة ليس فقط من زاوية القدرة على تلبية الطلب، بل من زاوية أعمق تتعلق بمدى انعكاس هذه “الوفرة المعلنة” على واقع الأسعار داخل السوق.
فبين خطاب رسمي مطمئن، وواقع استهلاكي متوتر، تتشكل مفارقة تستحق التفكيك.
في تصريح لجريدة مدار21، أكد يوسف الجبهة، رئيس الغرفة الفلاحية لجهة سوس ماسة، أن الإحصاء الوطني الأخير للقطيع قدّم صورة دقيقة حول وضعية الإنتاج الحيواني، مشيراً إلى توفر مستوى “مريح” من القطيع، قادر على تغطية حاجيات السوق خلال عيد الأضحى، بل وحتى خلال المواسم المقبلة.
كما أرجع هذا التحسن إلى التساقطات المطرية التي ساهمت في تعزيز الغطاء النباتي وتقليص كلفة الإنتاج.
غير أن هذا الخطاب، حين يوضع أمام واقع السوق، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية.
فإذا كان القطيع متوفراً بهذا الشكل “المريح”، فلماذا لا ينعكس ذلك على الأسعار؟ ولماذا تستمر شكاوى المواطنين من ارتفاع كلفة اللحوم، خاصة في فترة يُفترض أن تعرف استقراراً نسبياً بفعل وفرة العرض؟
تتجلى المفارقة بشكل أوضح عند الوقوف على مستويات الأسعار، حيث تتراوح أثمنة اللحوم الحمراء بين 140 و150 درهماً للكيلوغرام، وهو ما لا ينسجم مع خطاب الوفرة.
هذا التباين بين العرض والأسعار لا يمكن تفسيره فقط بعوامل الإنتاج، بل يوجه الأنظار نحو بنية السوق نفسها، وطبيعة العلاقات داخل سلاسل التوزيع.
ولا يتعلق الأمر هنا بوجود وسطاء في حد ذاته، فذلك جزء طبيعي من أي منظومة تجارية، بل بكيفية اشتغال هذه الحلقات، ومدى خضوعها للمراقبة والتتبع. فحين ينتقل المنتوج من الضيعة إلى المستهلك بأسعار تتضاعف في ظرف وجيز، فإن السؤال لا يكون فقط حول “من يربح؟”، بل أيضاً حول “من يراقب؟”.
قصة الطماطم، التي تُباع عند الفلاح بأثمنة تتراوح بين 5 و7 دراهم لتصل إلى المستهلك بين 10 و15 درهماً، تعكس هذا الخلل بوضوح.
فهي ليست حالة معزولة، بل نموذج يكشف عن تآكل القيمة بين الإنتاج والاستهلاك، في ظل غياب شفافية كافية حول هوامش الربح داخل السلسلة التجارية.
هذا الوضع يضع منظومة المراقبة أمام اختبار حقيقي؛ فالسوق، وإن كان يخضع لمنطق العرض والطلب، فإنه لا يُفترض أن يتحول إلى فضاء مفتوح لاختلالات غير مبررة.
فغياب التتبع الفعّال، أو ضعف التنسيق بين المتدخلين، قد يحول “الوفرة” إلى مجرد معطى نظري لا أثر له على القدرة الشرائية.
اليوم، لم يعد التحدي في توفير الأضاحي، بقدر ما أصبح في ضمان وصولها بثمن يعكس توازناً عادلاً بين مختلف الفاعلين. فالأكباش متوفرة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل هذه الوفرة تخدم المواطن، أم أنها تضيع بين حلقات لا تخضع للضبط الكافي؟
في النهاية، تبدو معادلة عيد الأضحى في المغرب أكبر من مجرد أرقام حول القطيع، فهي تعكس تحدياً بنيوياً يتعلق بكيفية تدبير السوق، ومدى قدرة السياسات العمومية على تحويل المؤشرات الإيجابية إلى أثر ملموس يشعر به المواطن في نهاية السلسلة.
القطيع مريح… لكن الأسعار بلا رحمة.
