تطرح استعدادات المغرب لاحتضان كأس العالم 2030 نقاشاً يتجاوز حدود الملاعب والطرق والمطارات، ليصل إلى سؤال أعمق يرتبط بجودة الفضاء العمومي وطريقة استعماله من طرف المواطنين والمؤسسات معاً.
فنجاح هذا الموعد الدولي لن يرتبط فقط بما ستنجزه الدولة من أوراش كبرى، بل أيضاً بالصورة اليومية التي سيعكسها الشارع، والإدارة، ووسائل النقل، والطريق، والملعب، وبمدى قدرة المجتمع على تحويل الفضاء المشترك إلى مجال منظم وآمن ومحترم.
أعاد رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول السلوك المدني في الفضاءات العمومية فتح نقاش أساسي حول علاقة المواطن بالمجال العام، وحول دور السياسات العمومية في ترسيخ ثقافة احترام القانون، وحماية الممتلكات المشتركة، وضمان فضاءات أكثر نظافة وأمناً وجودة.
الرأي لا يقدم الموضوع باعتباره مسألة أخلاقية ضيقة، ولا يحوله إلى محاكمة لسلوك المواطنين، بل يضعه ضمن رهانات التنمية، والثقة الجماعية، وجودة العيش، وترسيخ دولة القانون.
فالفضاء العمومي، وفق هذا المنظور، ليس مجرد مكان للعبور، بل هو مرآة يومية للعلاقة بين الفرد والجماعة، وبين المواطن والمؤسسات.
تكمن أهمية هذا النقاش في توقيته.
فالمغرب المقبل على محطة عالمية بحجم مونديال 2030 يسابق الزمن من أجل تجهيز البنيات الكبرى، غير أن الرهان لا يقف عند حدود الإسمنت والهندسة والصفقات.
هناك رهان آخر أقل ظهوراً، لكنه لا يقل حساسية: رهان السلوك اليومي داخل المجال المشترك.
الطريق إلى 2030 لا تمر فقط عبر المدرجات والملاعب الجديدة، بل تمر أيضاً عبر الرصيف، وممر الراجلين، وصف الانتظار، ومحطة الحافلات، والإدارة العمومية، والشاطئ، والملعب. في هذه التفاصيل الصغيرة تتشكل الصورة الكبرى لبلد يريد أن يقدم نفسه كوجهة منظمة، آمنة، وقادرة على استقبال العالم بثقة.
الأرقام التي أوردها المجلس تكشف حجم التحدي.
فقد سجلت مصالح الدرك الملكي، بين 2021 و2024، ما مجموعه 52.670 قضية تتعلق بأفعال ماسة بالأشخاص والممتلكات في الوسطين القروي وشبه الحضري، منها 51.084 قضية مرتبطة بأفعال ماسة بالأشخاص، و1.586 قضية تهم أفعالاً ماسة بالممتلكات.
وفي الوسط الحضري، تشير معطيات المديرية العامة للأمن الوطني إلى انتقال الجرائم المرتبطة بالعنف من 46.553 حالة سنة 2023 إلى 60.054 حالة سنة 2024، مع استمرارها في مستويات مرتفعة خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2025.
هذه المؤشرات لا تعني أن المجتمع يعيش حالة انفلات، لكنها تكشف وجود ضغط حقيقي على الفضاء العمومي، ضغط تتداخل فيه عوامل اجتماعية وتربوية واقتصادية ومؤسساتية.
وحين يتوتر الشارع، أو تتحول الطريق إلى مجال للمخاطرة، أو يصبح المرفق العام فضاء للاحتكاك، فإن الأمر لا يعود مجرد سلوك فردي، بل يصبح سؤالاً من أسئلة السياسة العمومية.
السلامة الطرقية تقدم مثالاً واضحاً على ذلك.
فقد أشار رأي المجلس إلى أن معدل الوفيات الناتجة عن حوادث السير في المغرب بلغ سنة 2024 حوالي 10,5 وفاة لكل 100 ألف نسمة، مقابل معدلات أقل بكثير في دول أوروبية مثل هولندا والسويد وإيرلندا.
كما سجل المغرب، بين يناير وماي 2025، 1.624 وفاة في حوادث السير، بارتفاع بلغ 20,9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة.
هذه الأرقام تجعل الطريق جزءاً مركزياً من النقاش حول السلوك المدني. فالطريق ليست مجرد بنية تحتية، بل فضاء عمومي تتحقق فيه يومياً قيم الانضباط، واحترام القانون، وحماية الحياة. ومن هنا، لا يمكن اختزال السلامة الطرقية في المراقبة والعقوبات وحدها، بل يجب ربطها بثقافة عامة تجعل احترام قواعد السير جزءاً من احترام الحق في الحياة.
البعد البيئي يكشف بدوره جانباً آخر من الإشكال، فقد سجلت خلال السنوات الأربع الأخيرة 60.333 مخالفة ماسة بالبيئة، وتمثل مخالفة رمي الأزبال 86 في المائة من مجموع المخالفات المرصودة.
وهذا الرقم يوضح أن نظافة الفضاء العام لا ترتبط فقط بميزانيات الجماعات الترابية أو بعدد عمال النظافة، بل أيضاً بسلوك يومي قد يحافظ على المجهود العمومي أو يعيده إلى نقطة الصفر.
غير أن تحميل المواطن وحده مسؤولية هذه الظاهرة يُعد تبسيطاً لا يعكس تعقيداتها الحقيقية، فوفقاً لرأي المجلس، ترتبط هذه الإشكالية بمجموعة من العوامل المتداخلة، تشمل الأسرة، والمؤسسة التعليمية، ووسائل الإعلام، والفضاء الرقمي، والهشاشة الاجتماعية، والتفاوت في فرص الولوج إلى الخدمات والموارد، فضلاً عن محدودية وضوح بعض القواعد وضعف فعالية آليات الزجر في بعض المجالات.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن ترسيخ السلوك المدني بالخطاب التوعوي وحده، كما يصعب تحقيق نتائج مستدامة من خلال حملات تحسيسية ظرفية لا تواكبها خدمات عمومية ذات جودة، ومدرسة فاعلة، وإعلام مسؤول، وقواعد واضحة، وتطبيق منصف وفعال للقانون.
فالمواطنة في ممارستها اليومية تحتاج إلى بيئة مؤسساتية واجتماعية داعمة تسهم في ترسيخها وتعزيزها بشكل مستمر.
وتكتسي توصية المجلس بإطلاق مشروع وطني مندمج للنهوض بالسلوك المدني في الفضاءات العمومية أهمية خاصة، بالنظر إلى ما تتطلبه من مقاربة شمولية لا تقتصر على مبادرات متفرقة، بل تقوم على رؤية متكاملة تربط بين التربية وجودة المرفق العام، وبين التحسيس وتفعيل القانون، وبين المسؤولية الفردية وتحسين الخدمات، مع جعل الفضاء العمومي محوراً أساسياً ضمن السياسات العمومية.
ومن أبرز ما ورد في هذا السياق ربط المجلس هذا الورش الوطني بالتحضيرات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، واقتراحه دراسة إمكانية توسيع نطاق تدخل مؤسسة “المغرب 2030” للمساهمة في تنزيل المشروع الوطني المقترح، باعتبار السلوك المدني أحد المرتكزات الأساسية للاستعداد لهذا الحدث الدولي.
وتحمل هذه الإشارة دلالة استراتيجية واضحة، إذ إن تنظيم كأس العالم لا يرتبط فقط بقدرة المغرب على إنجاز بنية تحتية رياضية حديثة، بل كذلك بقدرته على توفير فضاء عمومي منظم وآمن ونظيف وسهل الولوج بالنسبة للمواطنين والزوار على حد سواء. فالحدث العالمي يمثل فرصة لتسريع وتيرة الإصلاحات العمرانية والتنموية، كما يشكل مناسبة لتعزيز إصلاحات مدنية أعمق تمس علاقة الأفراد بالمجال العام والمرافق العمومية وسيادة القانون.
وفي هذا الإطار، لن يُقاس نجاح المغرب في أفق 2030 فقط من خلال تقييم الهيئات الدولية أو انطباعات الجماهير الوافدة، بل أيضاً من خلال مدى انعكاس هذه التحولات على حياة المواطنين اليومية.
وسيظهر ذلك في جودة الخدمات العمومية، واحترام المجال المشترك، ونظافة الفضاءات العامة، وفعالية منظومة النقل، وسلامة الطرق، وقدرة المؤسسات على ضمان تطبيق قانون واضح وعادل وفعّال.
إن بناء الدولة الحديثة لا يقتصر على تطوير البنيات التحتية الكبرى من ملاعب وطرق ومنشآت، بل يتطلب أيضاً فضاءً عمومياً يحترم كرامة الإنسان، ومرافق عمومية تستجيب لانتظارات المرتفقين، ومواطناً واعياً بأن المجال المشترك مسؤولية جماعية ينبغي الحفاظ عليها وصونها.
وقبل حلول موعد كأس العالم 2030، لا يكفي التساؤل حول مدى جاهزية الملاعب والمنشآت الرياضية.
فالسؤال الأكثر عمقاً يتمثل في مدى جاهزية الفضاء العمومي، وفي قدرة المغرب على تحويل هذا الاستحقاق العالمي من مناسبة لتحسين الصورة الخارجية إلى فرصة حقيقية لترسيخ السلوك المدني وتعزيز الممارسات اليومية التي تشكل، في النهاية، الصورة الفعلية للدول ومجتمعاتها.
