بقلم: الباز عبدالإله
تحوّل “الاقتراض” من مجرد بند تقني داخل ميزانية الدولة المغربية إلى مؤشر يكشف، بشكل غير مباشر، حدود التوازن بين طموحات “الدولة الاجتماعية” والإمكانيات المالية المتاحة.
فالمعطيات الأخيرة الصادرة عن مديرية الدراسات والتوقعات المالية، الخاصة بالأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2026، تبرز أرقاماً تستحق قراءة أعمق، خصوصاً مع صعود “صافي التمويل” كعنصر أساسي لفهم وضعية المالية العمومية.
الانتقال من مليار درهم فقط في نهاية 2025 إلى 24 مليار درهم خلال ثلاثة أشهر لا يبدو رقماً عادياً، بل يعكس وتيرة متسارعة في اللجوء إلى الدين الصافي، ويضع علامة استفهام حول قدرة الموارد الجبائية على مواكبة حجم الإنفاق العمومي، في ظل تزايد الالتزامات.
في المقابل، اختيار الاقتراض عبر المدى المتوسط، الذي استحوذ على نحو 80% من التمويلات، يعكس توجهاً نحو توزيع الضغط الزمني للسداد بدل تركيزه في الأمد القصير.
هذا الخيار يمنح هامشاً للتحرك، لكنه يبقى مرتبطاً بأداء الاقتصاد خلال السنوات المقبلة ومدى قدرته على توليد موارد كافية.
وبموازاة ذلك، وصل رصيد سندات الخزينة المتداولة إلى حوالي 811.3 مليار درهم مع نهاية مارس 2026، بارتفاع نسبته 3% مقارنة بدجنبر الماضي.
هذا الحجم من الدين يعيد النقاش حول توازن السيولة داخل الاقتصاد، خاصة في ما يتعلق بتمويل المقاولة والاستثمار، في ظل حضور قوي للخزينة في السوق المالية.
الزاوية الأهم تبقى مرتبطة بكيفية صرف هذه الموارد.
جزء منها يذهب إلى تمويل الاستثمارات والبنيات التحتية، وجزء آخر يُستخدم لتغطية نفقات التسيير والالتزامات اليومية.
الفارق بين الحالتين ليس تفصيلاً، بل عنصر حاسم: إما دين يساهم في خلق الثروة، أو دين يواكب النفقات دون أثر إنتاجي واضح.
ومع استمرار هذا التصاعد في وتيرة المديونية، تتزايد المخاوف من انعكاساته المباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين؛ إذ إن اللجوء المكثف إلى الاقتراض الداخلي لا يقتصر على إعادة تشكيل توازنات الميزانية، بل قد يحدّ أيضاً من هامش تدخل الدولة في مواجهة التضخم ودعم الاستهلاك.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يتم تأمين استقرار الحاضر على حساب التزامات المستقبل؟ وما الكلفة الاجتماعية التي قد تترتب مع اقتراب آجال سداد هذه الديون؟
بهذا المعنى، تبدو المالية العمومية أمام معادلة دقيقة: الاستجابة للحاجيات الآنية من جهة، وضمان استدامة التوازنات من جهة أخرى، في سياق اقتصادي لا يتيح هوامش واسعة للمناورة.
