لم تعد الحرارة في المغرب مجرد رقم يمرّ سريعاً في نشرة الطقس، ولا مجرد جملة موسمية من نوع: “اشربوا الماء وتجنبوا الشمس”.
حين تضع نشرة دولية حديثة أجزاء من المغرب ضمن خريطة “الحرارة غير العادية”، فإن الأمر لا يخص السماء وحدها، بل يخص الأرض، والماء، والفلاحة، والصحة، وطريقة تدبير الدولة للمخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات.
تقرير دولي صادر اليوم الخميس 11 يونيو 2026 عن منظومة FEWS NET / NOAA-CPC، ضمن نشرة Global Weather Hazards Summary، وضع أجزاء من المغرب على خريطة الحرارة غير العادية خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 17 يونيو الجاري، مشيراً إلى درجات حرارة أعلى بكثير من المعدل، تتجاوز 35 درجة مئوية، إلى جانب مناطق من غرب الجزائر وشمال موريتانيا وبلدان أخرى في القارة الإفريقية.
لا يتعلق الأمر بإنذار رسمي مغربي، ولا بإعلان طوارئ، ولا بنشرة محلية صادرة عن السلطات المختصة.
وهذه نقطة أساسية حتى لا يتحول النقاش إلى تهويل مجاني. لكنه، في المقابل، ليس معطى عابراً يمكن دفنه في زاوية تقنية لا يقرأها إلا المختصون.
فحين تأتي الإشارة من منظومة دولية تتابع مخاطر الطقس وانعكاساتها على الأمن الغذائي، يصبح السؤال مشروعاً: هل تتحرك اليقظة العمومية بالسرعة نفسها التي تتحرك بها الحرارة؟
المغرب يعرف جيداً معنى أن ترتفع الحرارة في زمن الجفاف. يعرفها الفلاح قبل البلاغ، والعامل قبل الندوة، وساكن القرية قبل الخريطة الملونة. فحرارة تتجاوز 35 درجة في منتصف يونيو ليست مجرد امتحان للجلد البشري، بل امتحان للحقول، والمراعي، والفرشات المائية، وشبكات التزود، والقطاعات التي يشتغل فيها الناس تحت الشمس لا تحت المكيفات.
المفارقة أن البلاد راكمت صورة دولية لافتة في مجال الطاقات المتجددة والمشاريع الخضراء، وهي صورة مهمة ولا يمكن إنكارها.
لكن المناخ لا ينبهر بالصور الرسمية، لا يصفق في المؤتمرات، ولا ينتظر البلاغات الجميلة.
المناخ يسأل أسئلة بسيطة وقاسية: هل وصل التحذير إلى الفلاح؟ هل يعرف العامل متى تصبح الحرارة خطراً مهنياً؟ هل تتحدث الإدارات بلغة يفهمها المواطن؟ وهل تتحول المعلومة المناخية إلى قرار، أم تبقى معلقة في نشرات تقنية باردة عن يوم ساخن؟
هنا يصبح الملف سياسياً، لا بمعنى الخصومة، بل بمعنى المسؤولية العمومية، فتدبير الحرارة لم يعد تفصيلاً صيفياً، إنه جزء من تدبير الماء، والصحة، والشغل، والفلاحة، والأمن الغذائي. وكلما تأخرت المؤسسات في تحويل المعلومة العلمية إلى إجراءات عملية، تحولت الشمس من ظاهرة طبيعية إلى كلفة اجتماعية.
المطلوب ليس صناعة الرعب من تقرير دولي، ولا تحويل الصيف إلى خصم سياسي.
المطلوب أبسط وأعمق: يقظة مفهومة، وتواصل واضح، وتنسيق بين القطاعات، وإجراءات استباقية تحمي الفئات الأكثر هشاشة. فالفزع يبدأ عادة بعد وقوع الضرر، أما الدولة الجادة فتتحرك قبل أن يصبح الضرر عنواناً في الأخبار.
الحرارة لا تنتظر اجتماعاً كي ترتفع. والجفاف لا يطلب ترخيصاً كي يضغط على الحقول والقرى.
لذلك، فإن خريطة دولية تضع أجزاء من المغرب ضمن خانة “الحرارة غير العادية” يجب أن تُقرأ كجرس تنبيه، لا كخبر طقس فقط. الجرس لا يقول إن الكارثة وقعت، لكنه يقول إن الوقت مناسب كي لا تقع.
لا يحتاج المغرب إلى خطاب تهويلي، بل إلى يقظة سياسية وإدارية بمستوى التحولات المناخية التي يعيشها.
فالبلد الذي يتحدث بثقة عن الانتقال الأخضر يجب أن يثبت أن هذا الانتقال لا يعيش فقط في المشاريع الكبرى، بل يصل أيضاً إلى الفلاح، والعامل، والقرية، والحي، وكل من يدفع ثمن الحرارة حين تتحول من رقم في النشرة إلى ضغط يومي فوق الجسد والمعيشة والماء.
