ليست الصدمة في واقعة عاملة النظافة بمركز “واحة سيدي إبراهيم” بضواحي مراكش مرتبطة بالرقم وحده؛ فمبلغ 250 درهماً شهرياً لا يحتاج إلى كثير من الشرح ليكشف حجم الهشاشة، بل الصدمة الأكبر تكمن في الزمن والمكان: عشر سنوات كاملة داخل مرفق صحي عمومي، يُفترض أن يكون فضاءً لاحترام القانون وصون الكرامة.
كشفت جريدة “مدار21” الإلكترونية، نقلاً عن مصدر محلي مطلع، أن عاملة نظافة بالمركز الصحي واحة سيدي إبراهيم، بمنطقة بلكعيد نواحي مراكش، تشتغل لفائدة شركة خاصة مقابل أجر شهري لا يتجاوز 250 درهماً، وذلك لأزيد من عشر سنوات، في وضع وصفه المصدر ذاته بالقاسي، خاصة أن المعنية، بحسب المعطيات المنشورة، مطلقة ومتقدمة في السن.
حين تشتغل سيدة لسنوات طويلة، وتؤدي مهامها بانتظام، بل وتقوم أحياناً بمهام إضافية خدمة للمركز الصحي وساكنة المنطقة، مقابل مبلغ لا يغطي حتى بعض تكاليف التنقل والمعيش اليومي، فإن النقاش لا يقف عند حدود الحالة الإنسانية، بل يتجه مباشرة نحو شروط التعاقد والمراقبة داخل المرافق العمومية.
استمرار وضع بهذا الشكل كل هذه المدة يكشف وجود خلل واضح في تتبع شروط اشتغال الشركات الخاصة داخل المؤسسات العمومية.
فاستمرارية الخدمة لا يمكن أن تتحول إلى مبرر للصمت عن أوضاع مهنية واجتماعية لا تنسجم مع أبسط شروط الكرامة.
المعطيات التي أوردتها مدار21 تشير أيضاً إلى أن محاولات إدراج العاملة ضمن المستفيدين من الإنعاش الوطني لم تنجح بسبب غياب الإمكانية على مستوى الجماعة، رغم أن المصدر المحلي تساءل عن مبرر هذا الرفض، خاصة في ظل وجود مستفيدين آخرين داخل المركز نفسه في وضعية سنية مشابهة أو أكبر.
غير أن الحل المقترح، والمتمثل في تمكين المعنية من الاستفادة من برنامج الإنعاش الوطني، يظل حلاً إنسانياً عاجلاً، لكنه لا ينبغي أن يحجب أصل المشكل. فرفع التعويض إلى حوالي 1800 درهم قد يخفف من معاناة السيدة، لكنه لا يطوي صفحة السنوات العشر الماضية، ولا يعفي الجهات المعنية من ضرورة توضيح طبيعة العلاقة التي تربط الشركة الخاصة بالمرفق الصحي، ومدى احترام شروط الاشتغال والمراقبة.
القضية، في عمقها، ليست مجرد قصة إنسانية تثير التعاطف، بل ملف إداري واجتماعي يضع المسؤولية أمام امتحان مباشر. فالهشاشة حين تستقر داخل مؤسسة عمومية تصبح أكثر قسوة، لأنها لا توجد في الهامش البعيد، بل أمام أعين الإدارة والمواطنين والجهات الوصية.
اليوم، تحولت هذه الواقعة التي كشفتها جريدة “مدار21” الإلكترونية إلى اختبار واضح للجهات المعنية، ليس فقط من أجل إنصاف عاملة نظافة ظلت تشتغل بصمت لسنوات، بل من أجل مراجعة طريقة التعامل مع شركات الخدمات داخل المرافق العمومية، والتأكد من أن التدبير المفوض أو التعاقد مع الخواص لا يتحول إلى مساحة رمادية تضيع فيها حقوق الفئات الأكثر هشاشة.
وفي انتظار توضيح رسمي من الجهات المعنية، تكشف هذه الحالة أن حماية الكرامة في المرافق العمومية لا تبدأ من الخطابات الكبرى، بل من تفاصيل صغيرة قد تختصر كل شيء: أجر شهري، عقد واضح، مراقبة فعلية، وامرأة اشتغلت عشر سنوات في صمت مقابل 250 درهماً.
