لم يكن تصريح مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، خلال الندوة الأسبوعية اليوم الخميس، مجرد عرض تقني لأرقام الدعم، أو دفاع عادي عن إجراءات مواجهة التضخم.
كان، في العمق، محاولة لإعادة تثبيت الرواية الحكومية: الغلاء مرتبط بالأزمات الدولية، أما الدولة الاجتماعية، فهي منسوبة لحكومة عزيز أخنوش التي أخرجتها إلى حيز التنفيذ.
هذه المعادلة تبدو مريحة سياسياً.
حين ترتفع الأسعار، يظهر الخارج في الواجهة: الأزمات الدولية، المحروقات، تقلبات السوق، وسلاسل التوريد.
وحين يتعلق الأمر بالدعم المالي المباشر، ودعم النقل، وغاز البوتان، تنتقل الحكومة إلى لغة الإنجاز، والحصيلة، والأرقام الكبرى.
هنا بالضبط تبدأ المفارقة.
لا أحد ينكر أن التضخم لم يكن ظاهرة مغربية خالصة، ولا أن الاقتصاد الوطني تأثر بما جرى في العالم خلال السنوات الأخيرة. لكن المواطن لا يعيش داخل نشرات الاقتصاد الدولي، ولا يشتري حاجياته اليومية من تقارير المؤسسات المالية.
المواطن يواجه الأسعار في السوق، ويدفع كلفة النقل، ويحسب ثمن قنينة الغاز، ويقارن بين دخله الشهري ومصاريف الحياة التي تتسع باستمرار.
حين تقول الحكومة إنها دعمت النقل لحماية القدرة الشرائية، فالسؤال ليس: هل صُرف الدعم؟ بل: هل وصل أثره إلى المواطن؟ هل منع ارتفاع أسعار المواد؟ هل خفّف كلفة التنقل؟ هل شعر به الناس في حياتهم اليومية، أم بقي رقماً آخر داخل الخطاب الحكومي؟
وحين تتحدث عن استمرار دعم غاز البوتان، فهي تدرك أن الأمر لا يتعلق بمادة عادية، بل بواحدة من أكثر المواد التصاقاً بمعيش الأسر المغربية.
لذلك، لا يكفي تقديم الدعم كمنجز سياسي، لأن حماية هذه المادة من الارتفاع ليست امتيازاً تمنحه الحكومة، بل جزء من مسؤولية الدولة في الحفاظ على التوازن الاجتماعي.
أما في ملف الدعم المالي المباشر، فقد استعرض بايتاس أرقاماً لافتة، منها استفادة حوالي 12.5 مليون مواطن، ينتمون إلى نحو 3.9 مليون أسرة، وصرف ما مجموعه 51 مليار درهم.
أرقام كبيرة بلا شك، لكنها لا تغلق النقاش، لأن الدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بعدد المستفيدين، بل بما إذا كان الدعم قد نجح فعلاً في تقليص الهشاشة، وتخفيف الضغط، ومنح الأسر شعوراً حقيقياً بالأمان.
الأكثر حساسية في كلام بايتاس هو تأكيده أن ورش الدولة الاجتماعية سيظل مرتبطاً بهذه الحكومة، سياسياً، من حق الحكومة أن تدافع عن حصيلتها، وأن تعرض ما أنجزته خلال ولايتها.
لكن هذا الورش جاء في إطار توجيهات ملكية كبرى، والحكومة مسؤولة أساساً عن تنزيله، وتدبيره، وتقييم أثره، لا عن تقديمه كرصيد سياسي حصري.
هنا يطرح السؤال نفسه: هل الدولة الاجتماعية مشروع وطني لحماية المواطن، أم رصيد انتخابي جاهز للتسويق؟ وهل يكفي أن تعلن الحكومة عن ملايير الدراهم كي يشعر المواطن بأن معيشته أصبحت أقل قسوة؟
الحكومة تتحدث عن 51 مليار درهم، والمواطن يسأل عن نهاية الشهر. الحكومة تتحدث عن دعم النقل، والمواطن يسأل عن ثمن الخضر والمواد الأساسية.
الحكومة تتحدث عن حماية القدرة الشرائية، والمواطن يسأل لماذا ما زال الغلاء أقوى من كل البلاغات.
المشكل ليس في أن الحكومة تقدم أرقاماً، المشكل أن الأرقام لا تعيش مكان المواطن، ولا تقف معه في السوق، ولا تؤدي عنه الفواتير، ولا تختصر عليه مسافة القلق بين الراتب والمصاريف.
لذلك، قد يكون بايتاس قد نجح في الدفاع عن الرواية الحكومية، لكنه أعاد فتح السؤال السياسي الأهم: حين تكون الأزمة دولية والإنجاز حكومياً، أين يضع المواطن معاناته اليومية؟
الدولة الاجتماعية لا تحتاج فقط إلى أرقام كبيرة، بل إلى أثر واضح. لأن المواطن لا يحاسب الحكومة على حجم ما تقوله، بل على ما يتبقى له في جيبه بعد أن ينتهي الكلام.
