بقلم: الباز عبدالإله
لم تكن التدوينة الأخيرة التي نشرها عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، مجرد منشور عابر على فيسبوك، بل تحولت إلى مادة سياسية محرجة لوزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، بعدما وضعت الوزير يونس السكوري أمام مفارقة دقيقة بين الخطاب الرسمي المعلن حول تحسين أوضاع حراس الأمن الخاص، وبين ما يقال إن بعض دفاتر تحملات الصفقات التابعة لمرافق وزارته ما تزال تتضمنه من شروط عمل شاقة.
بووانو، في تدوينته، لم يناقش الوعد الحكومي من زاوية النوايا، بل نقله إلى أرض الواقع.
فبينما يقدّم الوزير تقليص ساعات عمل حراس الأمن الخاص من 12 ساعة إلى 8 ساعات كإصلاح اجتماعي مرتقب، طرح القيادي المعارض سؤال الاتساق: كيف يمكن لوزارة وصية على التشغيل أن تدافع عن تقليص ساعات العمل في الخطاب العمومي، بينما تستمر بعض صفقات الحراسة المرتبطة بها، وفق ما أورده، في التنصيص على دوام يمتد من السابعة صباحاً إلى السابعة مساءً، وسبعة أيام في الأسبوع؟
هذه المفارقة، إن تأكدت معطياتها رسمياً، لا تضع فقط شركة حراسة أو صفقة محددة تحت الضوء، بل تفتح نقاشاً أوسع حول مسؤولية الإدارات العمومية في تكريس النموذج الذي تقول الحكومة إنها تريد إصلاحه.
فالدولة، حين تتعاقد باسم المال العام، لا يفترض أن تبحث فقط عن الخدمة بأقل كلفة، بل عن خدمة تحترم الحد الأدنى من كرامة العامل وشروط العمل اللائقة.
قوة تدوينة بووانو تكمن في أنها أزاحت النقاش من مستوى الوعود المؤجلة إلى مستوى العقود الموقعة.
فالإصلاح الاجتماعي لا يُقاس بما يقال في الندوات والتصريحات، بل بما يُكتب في دفاتر التحملات، وما يُفرض على الشركات المتعاقدة مع الإدارات العمومية.
وإذا كانت الوزارة المعنية بالتشغيل لا تبدأ الإصلاح من محيطها الإداري المباشر، فإن صدقية الخطاب تصبح موضوع مساءلة سياسية مشروعة.
ولا يخفى أن قطاع الحراسة الخاصة ظل لسنوات طويلة من أكثر القطاعات هشاشة، بسبب طول ساعات العمل، وضعف الأجور، وتفاوت شروط التعاقد، ومحدودية الحماية الفعلية للعاملين فيه.
لذلك، فإن أي حديث حكومي عن إصلاح هذا القطاع يظل ناقصاً ما لم يبدأ من الصفقات العمومية نفسها، باعتبارها الأداة التي تستطيع الدولة من خلالها فرض نموذج أفضل على المتعاقدين معها.
بهذا المعنى، لا يبدو أن ما أثاره بووانو مجرد سجال سياسي ظرفي، بل امتحان حقيقي لمدى قدرة الحكومة على مطابقة خطابها مع ممارستها.
فالوزير المعني مطالب، اليوم، ليس فقط بتوضيح المعطيات التي وردت في التدوينة، بل بإعلان موقف واضح من دفاتر التحملات التي تسمح باستمرار نظام 12 ساعة داخل مرافق تابعة لوزارته، إن كانت هذه المعطيات صحيحة.
الكرة الآن في ملعب وزارة التشغيل.
فإما أن تقدم توضيحاً مقنعاً للرأي العام، أو تبادر إلى مراجعة شروط صفقات الحراسة بما ينسجم مع ما تعلنه من إصلاحات.
أما استمرار المسافة بين الخطاب الرسمي وواقع العقود، فلن يزيد إلا من تعميق الشك في جدية الإصلاحات الاجتماعية التي تُقدَّم للمغاربة على أنها عنوان لمرحلة جديدة.
