في الحوار الذي نشرته مجلة “ملفات” ضمن عددها الخاص حول “حكومة اللوبيات.. 76 مليار درهم من الدعم العمومي في مهب الريح”، ينتقل النقاش من لغة الأرقام والجداول واللوائح إلى سؤال أكثر عمقاً: أين يوجد المستهلك داخل كل هذه السياسات؟.
الحوار مع الدكتور محمد بنقدور، رئيس المجلس الوطني للاتحاد الوطني لصيادلة المغرب، وأحد الأسماء المرتبطة بالدفاع عن حقوق المستهلك، يضع ملف اللحوم الحمراء في موقعه الحقيقي، لا بوصفه أزمة أسعار فقط، بل باعتباره أزمة حكامة وتتبع وشفافية داخل سلسلة إنتاج وتسويق معقدة.
في تقدير بنقدور، لا يمكن تفسير استمرار ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء بعامل واحد، ولا يمكن اختزال الأزمة في الجفاف أو ارتفاع كلفة الأعلاف أو تراجع القطيع الوطني فقط.
هذه العوامل حاضرة ومؤثرة، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير ضعف انعكاس الدعم والاستيراد على السعر النهائي الذي يؤديه المستهلك.
هنا تكمن أهمية الحوار.
فالمشكلة، كما يعرضها، ليست في غياب التدخل العمومي من حيث المبدأ، بل في غياب التتبع الدقيق لمسار هذا التدخل.
الدولة دعمت.
فتحت باب الاستيراد.
وقدمت إعفاءات وتسهيلات.
لكن السؤال الجوهري هو: هل وُجدت آلية واضحة تقيس انتقال هذا الدعم من لحظة القرار إلى لحظة البيع النهائي؟.
حسب ما جاء في حوار مجلة “ملفات”، فإن غياب الشفافية في المعطيات، سواء المتعلقة بحجم القطيع أو بأرقام الاستيراد أو بالجهات المستفيدة من الدعم، يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل السوق مفتوحة على اختلالات لا تظهر كلفتها إلا عند المستهلك.
فحين لا يعرف الرأي العام بدقة من استفاد، وبأي حجم، وكيف وُزع الدعم، وما الأثر الذي أحدثه، يصبح الحديث عن حماية القدرة الشرائية ناقصاً مهما بلغت كلفة التدخلات العمومية.
يرى بنقدور أن الحكومة اكتفت، في تدبير هذا الملف، بتدابير ظرفية لم تعالج الاختلالات العميقة المرتبطة بتنظيم سلسلة الإنتاج والتوزيع.
فالاستيراد قد يكون مفيداً في تقوية العرض خلال فترات الضغط، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى سياسة بديلة عن إصلاح السوق.
وإذا لم يكن مصحوباً بتتبع دقيق لهوامش الربح ومسالك التوزيع، فإن أثره قد يتوقف داخل بعض الحلقات، بدل أن يصل إلى المستهلك في شكل انخفاض ملموس للأسعار.
هذه الفكرة هي قلب الحلقة الحادية عشرة.
ليست المشكلة في أن تستورد الدولة أو تسهل الاستيراد.
المشكلة أن يتحول الاستيراد إلى إجراء واسع الكلفة، دون أن يكون له أثر واضح على السعر النهائي.
فقد يعزز العرض من حيث المبدأ، لكنه يبقى ناقصاً إذا لم يلمس المواطن تحسناً في مستوى الأثمان.
ولهذا يميز الحوار بين التدخل المالي وبين الحكامة.
الدعم، وحده، لا يكفي.
والإعفاء، وحده، لا يكفي.
والاستيراد، وحده، لا يكفي.
الأهم هو الربط الصارم بين كل تدخل عمومي وبين نتيجته الاجتماعية.
أي دعم لا ينعكس على السعر النهائي، أو لا تظهر نتائجه بوضوح في حماية القدرة الشرائية، يتحول إلى موضوع مساءلة.
وفي هذا السياق، يطرح بنقدور سؤالاً بالغ الدقة: هل كان صرف الدعم محكوماً بما يكفي من الشفافية والوضوح؟.
هل كانت شروط الاستفادة واضحة؟.
هل وُجدت قاعدة دقيقة لمعرفة أين ذهب الدعم، ومن استفاد منه، وكيف انعكس على السوق؟.
هذه الأسئلة لا تستهدف فقط الحكومة، بل تستهدف طريقة تدبير المال العمومي حين يدخل إلى قطاعات يشتغل فيها الوسطاء والمستوردون والموزعون والمضاربون بدرجات متفاوتة من القوة والتأثير.
فحين يكون المستهلك هو الطرف الأخير في السلسلة، والأضعف قدرة على التفاوض، يصبح غياب التتبع مشكلة سياسية واقتصادية في آن واحد.
يشدد الحوار على أن أزمة اللحوم الحمراء كشفت ضعف حضور جمعيات حماية المستهلك داخل دوائر القرار الاقتصادي.
فالقرارات المرتبطة بالدعم والاستيراد وتسقيف الأسعار أو مراقبة الهوامش تمس المستهلك مباشرة، ومع ذلك لا يبدو أن صوت المستهلك كان حاضراً بالقوة الكافية في إعداد هذه السياسات أو تقييم نتائجها.
وهذا ضعف مؤسساتي لا يقل خطورة عن ضعف المراقبة داخل السوق.
لأن حماية المستهلك لا تكون فقط عبر الخطاب، بل عبر إشراك فعلي للهيئات التي تمثله، وتمكينها من المعطيات، ومنحها دوراً في تتبع السياسات المرتبطة بالمواد الأساسية.
الحوار يضع أيضاً مجلس المنافسة في قلب الإصلاح المطلوب.
فحين تتعدد الحلقات بين المنتج والمستهلك، وحين تتسع هوامش الربح دون وضوح كافٍ، يصبح تعزيز دور مؤسسات الحكامة والمنافسة ضرورة لا ترفاً.
السوق لا يمكن أن تضبط نفسها وحدها حين يتعلق الأمر بمواد أساسية تمس معيش الأسر.
والدولة لا يمكن أن تكتفي بالدعم دون أن تملك أدوات فعالة لمراقبة أثره.
لذلك يقترح بنقدور، كما عرضت مجلة “ملفات”، معالجة أكثر هيكلية تقوم على خمسة مرتكزات مترابطة: تتبع صارم لمسالك الاستيراد والتوزيع، ضبط فعلي لهوامش الربح، ربط الدعم العمومي بنتائج قابلة للقياس، تقوية الإنتاج الوطني، وحماية المستهلك من تحول الأزمات إلى فرص للربح غير المشروع.
هذه المرتكزات لا تعني رفض الدعم، بل تعني إخراجه من منطق التدخل الظرفي إلى منطق السياسة العمومية القابلة للمحاسبة.
فالدعم الذي لا يُتتبع لا يمكن تقييمه.
والإعفاء الذي لا يظهر أثره لا يمكن الدفاع عنه طويلاً.
والاستيراد الذي لا يخفف الأسعار لا يمكن تقديمه كحل مكتمل.
هنا يظهر المعنى السياسي للحوار.
أزمة اللحوم الحمراء ليست فقط أزمة قطيع أو أعلاف أو جفاف.
إنها أزمة شفافية في الطريق الممتد من المال العمومي إلى السعر النهائي.
وأزمة حضور ضعيف للمستهلك داخل هندسة القرار.
وأزمة سوق تتعدد فيها الحلقات، بينما تبقى المحاسبة أقل وضوحاً من الكلفة التي يتحملها المواطن.
في النهاية، ما يقوله حوار مجلة “ملفات” مع الدكتور محمد بنقدور يمكن تلخيصه في فكرة واحدة: حماية القدرة الشرائية لا تبدأ عند إعلان الدعم، بل تبدأ عند تتبع أثره.
فإذا لم يصل الأثر إلى المستهلك، وإذا بقي السعر مرتفعاً رغم الاستيراد والإعفاءات، فإن الإشكال لا يوجد فقط في السوق، بل في طريقة تدبير العلاقة بين الدولة والسوق والمواطن.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل كانت السياسات العمومية موجهة بما يكفي نحو حماية المستهلك، أم أنها اكتفت بتخفيف الضغط على السوق دون أن تعيد ترتيب قواعده؟.
