لم تعد الحقيقة معطى جاهزاً في زمن التسريبات، بل تحولت إلى مجال صراع مفتوح تتداخل فيه المعطيات بالروايات، ويصعب فيه التمييز بين ما هو مؤكد وما هو متداول.
لم يعد الخبر ينتظر التحقق ليكتسب وزنه، بل أصبح ينتشر أولاً ثم يُناقش لاحقاً، في واقع جديد تعيد فيه السرعة تشكيل الوعي العام.
في هذا السياق، برزت منصات رقمية غير تقليدية، من بينها ما يُتداول على أنه منصة تُعرف بـ“جبروت”، خاصة على تطبيق Telegram، حيث يتم نشر معطيات تُقدَّم على أنها وثائق حساسة تُربط بحسب ما يُنشر بمستويات عليا من المسؤولية، وتُعرض في شكل يبدو دقيقاً من حيث الأرقام والتواريخ والمسارات الإدارية.
مع التأكيد أن ما يتم تداوله يظل في إطار ادعاءات رقمية إلى حين التحقق منها عبر قنوات مؤسساتية مستقلة.
هذا النمط من النشر لا يكتفي بعرض المعطيات، بل يمنحها سياقاً يوحي بالاكتمال، مما يخلق لدى المتلقي إحساساً بأن الصورة واضحة.
غير أن هذا الإحساس، مهما بدا قوياً، يبقى هشاً ما لم يُدعَّم بعملية تحقق مستقلة.
فدقة التفاصيل لا تعني بالضرورة صحة المضمون، كما أن تشابه الوثيقة مع الواقع لا يضمن تطابقها معه.
وتستمد هذه المنصات جزءاً من تأثيرها من طبيعة الملفات التي تتناولها، خاصة تلك المرتبطة بالعقار وتدبير الأراضي، وهي قضايا لطالما أثارت تساؤلات داخل الرأي العام.
حين تُعرض هذه الملفات في شكل “وثائق”، يتحول النقاش بسرعة من طرح الأسئلة إلى بناء قناعات، حتى قبل أن تتدخل أي جهة للتوضيح أو التدقيق.
في المقابل، يجد المتابع نفسه أمام وضع مركب: مؤسسات رسمية تعتمد التحفظ في التواصل، ومنصات رقمية تقدم روايات مفصلة وسريعة.
هذا التفاوت في الإيقاع يخلق فجوة واضحة بين زمن التحقق وزمن الانتشار، ويمنح الأفضلية في كثير من الأحيان لمن يسبق في تقديم الرواية.
كما أن محدودية التفاعل الرسمي، الذي يقتصر غالباً على النفي أو التحذير القانوني، دون تفكيك شامل لما يتم تداوله، يترك فراغاً تواصلياً تستغله الروايات البديلة.
وفي البيئة الرقمية، لا يبقى هذا الفراغ محايداً، بل يُملأ بسرعة بمضامين قد تكون دقيقة أو مضللة، لكنها تصبح مرجعاً لأنها الوحيدة المتاحة.
ولا يمكن إغفال أن بعض هذه المضامين قد تُستعمل أيضاً لتوجيه النقاش العمومي أو التأثير في اتجاهاته، خاصة في لحظات حساسة.
وهو ما يفرض تعاطياً مهنياً دقيقاً، يوازن بين نقل ما يجري وبين عدم تحويل الادعاء إلى حقيقة دون تحقق.
في العمق، تكشف هذه الظاهرة عن أزمة ثقة متنامية.
فالمتلقي، الذي يجد نفسه بين معطيات متداولة وردود رسمية محدودة، يبحث عن تفسير في أي مصدر متاح.
ومع الوقت، قد تتحول هذه المصادر إلى مرجع أساسي، خاصة في ظل غياب تواصل واضح ومفصل حول القضايا المطروحة.
استمرار هذا الوضع قد يفتح الباب أمام تشكل واقع موازٍ، تُبنى فيه القناعات على ما يُنشر لا على ما يتم التحقق منه، وهو ما يطرح تحديات حقيقية على مستوى تدبير المعلومة وعلى مستوى الثقة في المؤسسات.
هذا يفرض بدوره انتقالاً من أسلوب رد الفعل إلى أسلوب المبادرة، ومن منطق التحفظ الصارم إلى تواصل أكثر وضوحاً واستباقية، قادر على تقديم المعطيات في وقتها وبطريقة مقنعة.
ليست المشكلة من يملك الوثيقة، بل من يملك القدرة على تفسيرها للناس.
وبين الصمت والروايات المتداولة، تبقى الحقيقة في انتظار من يقولها بوضوح.
