بقلم: الباز عبدالإله
سجّل المغرب تقدماً بـ15 مركزاً في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2026، الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، بعدما حلّ في الرتبة 105 عالمياً من أصل 180 دولة، مقابل الرتبة 120 سنة 2025.
غير أن هذا التحسن الرقمي، رغم أهميته، لم يخرج البلاد من خانة الوضع “الصعب”، بعدما حصلت على 50.55 نقطة فقط من أصل 100.
كشفت معطيات التقرير أن التقدم في الترتيب لا يحجب استمرار اختلالات بنيوية داخل المشهد الإعلامي المغربي، حيث تحدثت المنظمة عن ضغوط متواصلة على الصحافيين المستقلين والمنابر الناقدة، وعن تعددية إعلامية لا تعكس، في نظرها، التنوع الحقيقي للآراء السياسية داخل البلاد.
فالعدد الكبير من المنابر لا يعني بالضرورة وجود فضاء إعلامي حر، إذا كانت الصحافة المستقلة تواجه صعوبات في التمويل، والوصول إلى المعلومة، وممارسة دورها الرقابي دون كلفة مرتفعة.
ووضعت “مراسلون بلا حدود” الحكومة الحالية، بقيادة عزيز أخنوش، في قلب هذا النقاش، معتبرة أن حضور النفوذ المالي والسياسي داخل القطاع الإعلامي يضغط على استقلالية عدد من المنابر.
كما توقفت عند الدعاوى القضائية التي يواجهها صحافيون ناقدون، مشيرة أيضاً إلى دور وزير العدل عبد اللطيف وهبي في هذا المسار، بما يجعل العلاقة بين السلطة التنفيذية والصحافة المستقلة محاطة بأسئلة ثقيلة.
ورغم العفو الملكي الذي شمل الصحافيين توفيق بوعشرين وعمر الراضي وسليمان الريسوني، واعتبرته المنظمة إشارة إيجابية وبصيص أمل، فإن التقرير شدد على أن تهديد المتابعات القضائية وحملات التشهير ما يزال قائماً.
كما أشار إلى العراقيل التي واجهها بعض المراسلين أثناء تغطية احتجاجات جيل “زد” سنة 2025، وإلى استمرار الخطوط الحمراء المرتبطة بملفات حساسة مثل الصحراء، والملكية، والدين، والأجهزة الأمنية، وتغطية المظاهرات.
اقتصادياً، نبه التقرير إلى هشاشة وضع الصحافة المستقلة، التي تجد صعوبة في جذب المعلنين وضمان الاستمرارية، مقابل استقرار أكبر للمؤسسات القريبة من دوائر النفوذ.
كما انتقد تمدد صحافة “البوز” والإثارة، التي لا تحترم أحياناً الخصوصية ولا أخلاقيات المهنة، في وقت يستهلك فيه الجمهور المحتوى النقدي دون أن يوفر له دائماً الدعم الضروري للبقاء.
بهذا المعنى، تبدو الرتبة 105 نصف الكأس الممتلئ، لكنها لا تكفي لإخفاء النصف الآخر فحرية الصحافة لا تُقاس فقط بعدد المراكز التي تربحها الدولة في جدول دولي، بل بقدرة الصحافي على الاشتغال دون خوف من المتابعة، أو التشهير، أو الإفلاس.
والتحدي الحقيقي ليس في تحسين الصورة أمام المؤشرات الدولية، بل في بناء بيئة إعلامية يستطيع فيها الصحافي أن يمارس مهنته دون أن يتحسس رأسه أو جيبه.
