بقلم: الباز عبدالإله
أعاد المحامي رشيد أيت بلعربي، عضو هيئة القنيطرة، فتح النقاش حول مشروع قانون مهنة المحاماة من زاوية أكثر حساسية، تتعلق بموقع الدفاع داخل منظومة العدالة، وبحدود العلاقة بين السلطة التنفيذية وجسم مهني يُفترض فيه أن يظل مستقلاً، قوياً، وقادراً على أداء أدواره الحقوقية والدستورية.
وجاءت تدوينة أيت بلعربي بنبرة واضحة، اعتبر فيها أن ما يجري حول مهنة المحاماة لا يمكن قراءته فقط كخلاف مهني حول مقتضيات قانونية أو شروط ولوج أو تنظيم داخلي، بل كجزء من نقاش أوسع حول طبيعة المحاماة التي يريدها المغرب: هل هي محاماة مستقلة وفاعلة في الدفاع عن الحقوق والحريات، أم محاماة مرهقة ومشتتة ومنشغلة بالضغوط اليومية عن قضايا العدالة الكبرى؟
ويرى أيت بلعربي أن هناك من لا ينظر بعين الارتياح إلى استمرار المحاماة كقوة مهنية مستقلة، لأن الدفاع، حين يكون حراً، لا يكتفي بمرافعة تقنية داخل القاعات، بل يتحول إلى صوت يزعج كل نزوع نحو الشطط والتعسف، ويذكّر بأن دولة الحق والقانون لا تُبنى فقط بالنصوص، بل أيضاً بوجود محامين قادرين على مساءلة الخلل، والانتصار للضمانات، وحماية حقوق المتقاضين.
ولم تقف التدوينة عند حدود الدفاع عن استقلالية المهنة، بل توقفت أيضاً عند ما اعتبره صاحبها محاولة لصرف انتباه المحامين عن جوهر النقاش.
فحسب قراءته، حين اشتد الجدل حول استقلالية المحاماة وحصانة الدفاع في سياق المشروع الجديد، برزت دعوات موجهة إلى الطلبة وأساتذة القانون للاحتجاج ضد بعض القيود الواردة في المشروع، وهو ما اعتبره أيت بلعربي نقاشاً جانبياً قد يُستعمل لتصوير الأمر وكأنه خصومة بين المحامين من جهة، والطلبة وأساتذة القانون من جهة أخرى.
وهنا يطرح المحامي سؤالاً مركزياً: هل المحامون في خصومة مع الطلبة وأساتذة القانون؟ ومتى بدأت هذه الخصومة أصلاً؟
فالمحاماة، في جوهرها، لم تكن يوماً في مواجهة مع الجامعة أو مع طلبة القانون، بل إن العلاقة بين هذه المكونات يفترض أن تكون علاقة تكامل لا تنافر.
فالجامعة تُنتج المعرفة القانونية، والطلبة هم الجيل المقبل من رجال ونساء القانون، والمحاماة فضاء مهني وحقوقي يحتاج إلى الكفاءة والتكوين، لكنه يحتاج أيضاً إلى استقلالية واضحة لا تُفرغ المهنة من معناها.
الأهم في موقف أيت بلعربي أنه يحاول إعادة النقاش إلى مركزه الحقيقي: ليست القضية في من يلج المهنة فقط، ولا في الجهة التي تحتج أو تعترض، بل في طبيعة الضمانات التي ستحكم مهنة الدفاع مستقبلاً.
فكل مقتضى يمس استقلال المحامي، أو يضعف حصانة الدفاع، أو يجعل المهنة أكثر قابلية للضغط والتطويع، لا يهم المحامين وحدهم، بل يمس المواطن قبلهم، لأن المتقاضي هو أول من يدفع ثمن دفاع ضعيف أو خائف أو تابع.
بهذا المعنى، تبدو تدوينة أيت بلعربي جزءاً من نقاش قانوني وسياسي أوسع.
فهي لا تكتفي برفض بعض التوجهات المرتبطة بالمشروع، بل تحذر من تحويل النقاش إلى صراعات هامشية بين مكونات الأسرة القانونية، في وقت يفترض أن ينصب الاهتمام على حماية جوهر المهنة: الاستقلال، الكرامة، الحصانة، وربط الدفاع بمنطق العدالة لا بمنطق التبعية.
وختم أيت بلعربي موقفه برسالة مباشرة مفادها أن المحاماة ستظل مستقلة مهما تعددت محاولات إضعافها.
وهي رسالة تحمل في طياتها دفاعاً عن مهنة، لكنها في العمق دفاع عن فكرة أكبر: لا عدالة قوية دون دفاع قوي، ولا دولة قانون مكتملة إذا تحولت المحاماة إلى مجرد مرفق صامت داخل منظومة العدالة.
