بقلم: الباز عبدالإله
حين تكتب الصحافة الغربية عن ولي العهد الأمير مولاي الحسن، فهي لا تعلن شيئاً باسم الدولة، لكنها تقرأ الرموز، الصور، المهام، والحضور المتدرج داخل المشهد الرسمي المغربي.
وبين ما يكتبه الخارج وما تقوله البلاغات الرسمية، تظهر معادلة مغربية خاصة: الاستمرارية لا تُدار بالضجيج، بل بالتدرج والرمزية والوقت.
عاد اسم ولي العهد الأمير مولاي الحسن إلى واجهة الاهتمام الإعلامي الدولي، بعدما تناولت منابر غربية، خلال الأيام الأخيرة، حضوره المتزايد في المشهد الرسمي المغربي، وربطت ذلك بسؤال الاستمرارية داخل المؤسسة الملكية، من دون أن يعني الأمر وجود إعلان سياسي مباشر أو تغيير في قواعد اشتغال الدولة.
فقد نشرت صحيفة Le Monde الفرنسية، يوم 5 ماي 2026، مقتطفات من كتاب جديد حول الملك محمد السادس، للصحفيين Christophe Ayad وFrédéric Bobin، تحت عنوان لافت يفيد بأن “الانتقال لم يبدأ، لكنه حاضر في الأذهان”.
وتوقف المقال عند بروز ولي العهد في السنوات الأخيرة، خاصة من خلال تمثيله للملك في عدد من المحطات الرسمية والدولية، معتبراً ذلك جزءاً من حضور محسوب داخل البروتوكول المغربي.
وفي السياق نفسه، تزامنت هذه القراءة الإعلامية مع بلاغ رسمي صادر عن الديوان الملكي، أعلن تعيين ولي العهد مولاي الحسن منسقاً لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية. وهي المهمة نفسها التي سبق أن تولاها الملك محمد السادس عندما كان ولياً للعهد سنة 1985، ما منح هذا التعيين حمولة رمزية واضحة في نظر عدد من المتابعين، مع بقائه داخل إطاره المؤسساتي والعسكري الرسمي.
اللافت في التناول الغربي ليس فقط تتبع مسار ولي العهد، بل طريقة قراءة التفاصيل الصغيرة: الحضور في المناسبات، الاستقبالات الرسمية، الرتبة العسكرية، والتدرج داخل مجالات مرتبطة بالمسؤولية والانضباط.
فالإعلام الدولي، خاصة الفرنسي والإسباني، لا يتعامل مع هذه الإشارات كوقائع بروتوكولية معزولة، بل يقرأها ضمن هندسة رمزية تميز الأنظمة الملكية، حيث لا تُعلن التحولات الكبرى دائماً بخطابات مباشرة، بل تُفهم أحياناً من ترتيب الصور والمواقع والمهام.
لكن القراءة المهنية تفرض الحذر. فكل ما نُشر في الإعلام الغربي يبقى في حدود التحليل الصحفي والمتابعة السياسية، ولا يرقى إلى إعلان رسمي عن انتقال أو تغيير.
فالمؤسسة الملكية في المغرب تشتغل بمنطق الاستمرارية، والملك محمد السادس هو رئيس الدولة والقائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، وكل التعيينات التي تتم داخل هذا الإطار تُقرأ أولاً من زاويتها الدستورية والرسمية.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن حضور ولي العهد أصبح أكثر وضوحاً في عين الخارج.
فقد قدمت وكالة EFE، في مادة نشرتها منابر دولية، الأمير مولاي الحسن باعتباره ولياً للعهد يواصل مسار تكوينه، ويقترب من سن الثالثة والعشرين، مع إبراز دراسته في العلاقات الدولية، وإتقانه لعدة لغات، ومشاركته المتزايدة في الأنشطة الرسمية.
هذه المعطيات تمنح الإعلام الدولي مادة لقراءة شخصية ولي العهد، لا من باب الإثارة، بل من باب تتبع مسار إعداد ملكي طويل الأمد.
وهي قراءة تبقى، في النهاية، مرتبطة بزوايا الصحافة الدولية وطريقتها في التقاط الرموز والمؤشرات داخل الدول ذات الأنظمة الملكية.
سياسياً، تكشف هذه التغطيات أن المغرب يوجد اليوم أمام معادلة دقيقة: دولة تحافظ على استقرار صورتها الرسمية، وإعلام خارجي يراقب كل حركة داخل المؤسسة الملكية باعتبارها مؤشراً محتملاً على المستقبل.
وبين القراءة الخارجية والحذر الداخلي، تظهر خصوصية النموذج المغربي في كونه لا يترك فراغاً رمزياً، لكنه في الوقت نفسه لا يسرّع الإعلانات ولا يفتح الباب أمام التأويلات غير المنضبطة.
ومن هنا، فالموضوع لا يتعلق بـ“خلافة معلنة”، ولا بـ“انتقال بدأ”، بل بسؤال أهدأ وأعمق: كيف تُبنى صورة ولي العهد في الزمن السياسي؟ وكيف يقرأ الخارج الإشارات التي يتعامل معها الداخل بكثير من التحفظ؟
الإعلام الغربي كتب، حلل، وربط بين المعطيات.
أما الدولة المغربية، فاختارت لغتها المعهودة: بلاغ رسمي، صورة محسوبة، وتدرج هادئ في المسؤوليات.
وبين اللغتين، تبقى الرسالة الأساسية واضحة: الاستمرارية في المغرب لا تُدار بالضجيج، بل بالرموز، وبالوقت، وبالجرعات المحسوبة.
