بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية، من بينها موقع “نيشان”، أن جواب وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، على سؤال كتابي للمستشار البرلماني خالد السطي، أعاد النقاش حول أوضاع موظفي وزارة الداخلية إلى الواجهة، بعدما اعتبرت التنسيقية الوطنية لموظفي الوزارة أن الرد جاء مخيباً للآمال، ولم يلامس، في نظرها، عمق الانتظارات المهنية والاجتماعية التي تراكمت داخل قطاع حساس يعيش منذ مدة على إيقاع احتقان صامت.
ففي الوقت الذي كانت فيه الشغيلة الترابية تنتظر إشارات عملية من شأنها فتح أفق جديد داخل القطاع، جاء جواب وزير الداخلية بلغة إدارية وقانونية رأت فيها التنسيقية استمراراً في مقاربة لا تجيب عن جوهر المطالب، بقدر ما تكتفي بالإحالة على النصوص القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.
وقد أكد الوزير، في جوابه، أن موظفي وزارة الداخلية يستفيدون من الأجور والتعويضات المقررة بموجب النصوص القانونية والتنظيمية، مشيراً إلى أن الوزارة تولي أهمية خاصة لرأسمالها البشري، وتسعى إلى تحسين الوضعية الإدارية والمالية لموظفيها، من خلال تنزيل مخرجات الحوار الاجتماعي، وتمكينهم من الخدمات الاجتماعية التي توفرها مؤسسة الحسن الثاني لرعاية الشؤون الاجتماعية لرجال السلطة وموظفي الإدارة الترابية.
غير أن هذا الجواب لم يكن كافياً لتهدئة غضب التنسيقية، التي اعتبرت أن المشكل لا يكمن فقط في وجود نصوص مؤطرة للأجور والتعويضات، بل في مدى قدرة هذه النصوص على مواكبة واقع اجتماعي ومهني تغيّر كثيراً. فموظفو الإدارة الترابية، بحسب مضمون البيان، يشتغلون في قطاع ذي خصوصية كبيرة، ويتحملون أعباء يومية مرتبطة بتدبير القرب، ومواكبة الجماعات، وتتبع الملفات الاجتماعية، وتنزيل السياسات العمومية على المستوى المحلي.
ومن هذا المنطلق، ترى الشغيلة أن التمسك بالجواب القانوني وحده لا يكفي لمعالجة مطالب مرتبطة بالعدالة الأجرية، والنظام الأساسي، والحركية المهنية، وتسوية وضعية حاملي الشهادات.
فهذه الملفات، في نظرها، لم تعد تفاصيل إدارية قابلة للتأجيل، بل صارت جزءاً من سؤال أوسع يتعلق بالإنصاف والاعتراف داخل واحد من أكثر القطاعات ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين.
وفي السياق نفسه، لم يقنع الحديث عن الخدمات الاجتماعية جزءاً من الموظفين، لأن المطالب المطروحة، كما تعبر عنها التنسيقية، تتجاوز منطق الخدمات الموازية إلى الحاجة إلى إصلاح مهني واضح.
فالموظف الذي يطالب بنظام أساسي عادل، ومسار مهني مفهوم، وتعويضات منصفة، لا يبحث عن امتيازات ظرفية، بقدر ما ينتظر اعترافاً مؤسساتياً يخفف إحساسه بالهشاشة المهنية وغياب الإنصاف.
وتزداد حساسية الملف حين تقارن الشغيلة وضعيتها بقطاعات حكومية أخرى استفادت، خلال السنوات الأخيرة، من مراجعات أجرية وتحسينات مهنية، بينما ظل موظفو الداخلية، رغم حساسية أدوارهم، ينتظرون مبادرة تعكس حجم المسؤوليات التي يتحملونها في الميدان.
هنا تبرز المفارقة الأساسية. فوزارة الداخلية تطلب من موظفيها مواكبة أوراش كبرى، من اللاتمركز الإداري إلى تدبير الشأن الترابي، ومن تتبع البرامج الاجتماعية إلى دعم تنزيل السياسات العمومية محلياً، غير أن هؤلاء الموظفين يعتبرون أن هذا الثقل المهني لا يقابله، إلى اليوم، اعتراف مادي ومؤسساتي كافٍ.
فموظفو الداخلية ليسوا مجرد أرقام داخل إدارة مركزية.
إنهم جزء من الواجهة اليومية للدولة، يحضرون في العمالات والأقاليم والجماعات، ويتعاملون مع ضغط القرب من المواطن، وتعقيدات الملفات الترابية، وحساسية الإدارة المحلية.
لذلك، فإن استمرار الإحساس بعدم الإنصاف داخل هذا الجسم الإداري قد يوسع الفجوة بين الخطاب الرسمي وانتظارات الشغيلة.
بيان التنسيقية، بما حمله من تلويح بخطوات نضالية، يؤشر على أن الملف دخل مرحلة جديدة من الضغط، وأن زمن الانتظار الطويل يقترب من نهايته.
فالوزارة اليوم أمام خيار واضح: إما الاكتفاء بتفسير الوضع القائم بلغة النصوص والتنظيمات، أو فتح نقاش جدي حول إصلاح مهني يعيد لموظف الداخلية مكانته داخل قطاع حساس في بنية الدولة.
لم يعد الملف مجرد نقاش حول أرقام أو تعويضات، بل تحول إلى اختبار حقيقي لعلاقة وزارة الداخلية بموظفيها.
فالوزارة التي تنجح في تدبير الأزمات الكبرى وتفكيك الملفات المعقدة، مطالبة اليوم بأن تنصت إلى بيتها الداخلي. إن الاستثمار في كرامة “جند الخفاء” ليس كلفة إضافية، بل شرط من شروط النجاعة الإدارية.
وبدون إنصاف واضح، سيبقى إصلاح الإدارة الترابية ناقصاً، لأن الموظف الذي يُطلب منه أن يعطي الكثير، يحتاج بدوره إلى اعتراف مهني ومادي يليق بثقل المسؤولية التي يحملها.
