بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد حادث إحراق شاحنة مغربية فوق التراب المالي مجرد خبر أمني عابر، ولا واقعة معزولة في طريق دولي يعرف منذ مدة تصاعداً مقلقاً في أعمال العنف المسلح.
فحين يتعلق الأمر بسائقين مغاربة يوجدون في منطقة توتر، يصبح السؤال أكبر من عدد الشاحنات المتضررة: أين المعطى الرسمي؟ أين مواكبة القنصلية؟ ومن يطمئن عائلات السائقين ومن كانوا معهم؟
المعطيات المتوفرة إلى حدود اليوم، الأربعاء 6 ماي 2026، تشير إلى أن شاحنة مغربية واحدة على الأقل تعرضت للإحراق في مالي، فيما أفادت تصريحات مهنية بأن السائق ومرافقه تمكنا من النجاة دون تسجيل خسائر بشرية مؤكدة.
ونقلت منابر إعلامية مغربية عن مصطفى شعون، رئيس الاتحاد الإفريقي لمنظمات النقل واللوجستيك، أن الحديث عن إحراق ست شاحنات لا يزال غير مؤكد مهنياً إلى حدود الساعة.
في المقابل، تحدثت روايات إعلامية أخرى، بينها معطيات منسوبة إلى شهود عيان نقلتها وكالة الأنباء الألمانية، عن إحراق ست شاحنات مغربية على الأقل على المحور الطرقي الرابط بين كوكي الزمال، قرب الحدود الموريتانية، والعاصمة باماكو، في سياق ضغط مسلح يستهدف طرق التموين نحو المدن المالية.
هذا التضارب في الأرقام لا ينبغي أن يبقى معلقاً بين رواية إعلامية وتصريح مهني.
فالمسألة تتعلق بمواطنين مغاربة، وبسلامتهم، وبمسؤولية الدولة في تقديم المعلومة الدقيقة حين تكون الأرواح في دائرة الخطر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى بلاغ رسمي من وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، يحدد بوضوح عدد الشاحنات المعنية، ووضعية السائقين ومن كانوا برفقتهم، وطبيعة الاتصالات الجارية مع السلطات المالية.
إلى حدود كتابة هذه السطور، لم يصدر بلاغ رسمي منشور يحدد الحصيلة الدقيقة للحادث، أو يوضح وضعية السائقين المغاربة ومن كانوا برفقتهم، في وقت تتواصل فيه الروايات الإعلامية والمهنية حول عدد الشاحنات المتضررة.
وهذا الغياب في لحظة حساسة لا يترك المجال فارغاً فقط، بل يفتح الباب أمام الإشاعة والخوف والتأويل.
عائلات السائقين لا تحتاج إلى أخبار متفرقة من المواقع، ولا إلى تدوينات متضاربة، بل إلى معلومة رسمية تقول لهم أين يوجد أبناؤهم، وهل هم في أمان، وهل جرى التواصل معهم أو مع ممثليهم المهنيين. فالطمأنة هنا ليست ترفاً تواصلياً، بل واجب إنساني ومؤسساتي حين يتعلق الأمر بمغاربة يوجدون في منطقة عالية الخطورة.
الدور المنتظر من المصالح القنصلية المغربية في باماكو لا يقتصر على المتابعة الإدارية الباردة.
المطلوب هو مواكبة قنصلية فعلية، واتصال مباشر بالسلطات المالية، وتنسيق مع المهنيين، وتتبع وضع السائقين المعنيين بالحادث، مع إخبار عائلاتهم بما يكفي من الوضوح والطمأنة.
فالقنصلية لا تُختبر في الأيام العادية، بل في لحظات الخطر، حين يجد المواطن المغربي نفسه أمام طريق مقطوعة، وجغرافيا مسلحة، ومعلومة ناقصة.
حادث مالي يعيد طرح سؤال حماية السائقين المغاربة في الطرق الإفريقية عالية المخاطر. هؤلاء لا يمارسون عملاً عادياً فقط، بل يتحركون في شرايين تجارية تربط المغرب بعمقه الإفريقي، ويمرون أحياناً من مناطق لا تحتمل الارتجال ولا المغامرة غير المؤطرة.
لذلك، فالمسؤولية لا تقع على الخارجية وحدها، بل تشمل أيضاً مهنيي النقل، والشركات المالكة للشاحنات، والجهات التي يفترض أن تنبه إلى المسارات الخطرة قبل وقوع الحوادث.
خطورة الوضع في مالي ليست تفصيلاً فقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش، في مارس 2026، حالات قتل طالت سائقين على يد مجموعة مسلحة إسلامية في مالي، وهو ما يبيّن أن استهداف الطرق وقوافل النقل لم يعد مجرد احتمال بعيد، بل جزءاً من واقع أمني قاسٍ تعرفه البلاد.
وهذا المعطى يمنح حادث الشاحنة المغربية بعداً أكبر، لأنه يضع سلامة السائقين المغاربة في قلب سؤال الحماية القنصلية والتنسيق المسبق مع السلطات المحلية.
لذلك، فالسؤال اليوم ليس موجهاً بلغة الاتهام، بل بلغة المسؤولية: ماذا فعلت الخارجية المغربية بعد الحادث؟ هل تحركت القنصلية في باماكو؟ هل تم حصر عدد السائقين المغاربة الموجودين في ذلك المحور؟ وهل توجد خطة لتأمين مرورهم أو عودتهم بتنسيق مع السلطات المالية؟
حين تُحرق شاحنة مغربية في مالي، لا يكفي أن نقول إن السائق نجا، النجاة خبر مطمئن، لكنها لا تعفي من التوضيح. والمواطن المغربي، داخل البلاد أو خارجها، من حقه أن يشعر أن وراءه دولة تسأل عنه، وقنصلية تتحرك باسمه، ووزارة لا تنتظر اتساع القلق كي تقدم المعطيات المتوفرة.
حادث اليوم يجب أن يكون بداية مراجعة لطريقة التعامل مع مخاطر النقل الدولي في مناطق التوتر.
فالسائق المغربي ليس رقماً في تقرير أمني، ولا مجرد حلقة في سلسلة تجارية، هو مواطن يحمل جوازاً مغربياً، ومن حقه حين يدخل منطقة خطر، أن يجد دولة تعرف طريقه قبل أن يعرف الناس خبر احتراق شاحنته.
