ليست قضية الدكاترة المطالبين بالإدماج المباشر في خطة العدالة مجرد ملف مهني ضيق، ولا مطلباً فئوياً عابراً يمكن وضعه في رف الانتظار الإداري، بل هي مرآة صغيرة تعكس سؤالاً كبيراً في المغرب: ماذا نفعل بالكفاءات حين تستوفي الشروط، وتطرق الباب من داخل القانون، ثم تجد نفسها أمام صمت طويل لا يشرح ولا يحسم ولا ينصف.
هؤلاء ليسوا باحثين عن امتياز خارج المساطر، ولا وافدين على المهنة من نافذة خلفية، بل حملة شهادات عليا، قضوا سنوات في مدرجات الجامعة، بين البحث والتحصيل والتكوين، ثم وجدوا في المادة التاسعة من القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة سنداً واضحاً يفتح أمامهم باب الولوج إلى المهنة وفق شروط محددة، تقوم على الإعفاء من المباراة ومن الامتحان المهني مع قضاء تمرين لمدة ثلاثة أشهر داخل مكتب عدلي، كما تؤكد المعطيات المنشورة على بوابة وزارة العدل بخصوص حملة الدكتوراه وشهادة العالمية.
المؤلم في هذا الملف أن النص القانوني يبدو واضحاً، لكن الطريق إلى تفعيله صار غامضاً، فالدكاترة يتحدثون عن ملفات موضوعة منذ سنوات لدى وزارة العدل دون جواب إداري كاف، وعن انتظار طويل حوّل الحق إلى ترقب، والترقب إلى إحساس بالخذلان، والخذلان إلى احتجاج أمام مؤسسة يفترض أنها أول من يحمي وضوح القانون وهيبته.
وحين يخرج حامل الدكتوراه للاحتجاج أمام وزارة العدل من أجل حق يراه منصوصاً عليه في القانون، فالمشهد لا يحتاج إلى كثير من البلاغة لكي يكون قاسياً، لأن الدولة التي تستثمر في الجامعة والبحث العلمي لا يمكن أن تترك أبناءها الأكثر تأهيلاً في منطقة رمادية بين الاعتراف الأكاديمي والتجاهل الإداري.
الأرقام تزيد الملف ثقلاً، فقد سبق لوزير العدل أن كشف أن الوزارة توصلت إلى حدود نهاية دجنبر 2025 بما مجموعه 1017 طلباً من حاملي الدكتوراه وشهادة العالمية الراغبين في ولوج مهنة العدول، كما سبق تعيين 335 عدلاً سنة 2023 من هذه الفئة، من بينهم 58 امرأة، وهو ما يعني أن المبدأ ليس مستحيلاً، وأن الباب سبق أن فُتح، لكن السؤال اليوم هو لماذا يبدو مغلقاً أو متثاقلاً أمام فوج جديد ينتظر الإنصاف.
هنا بالضبط تكمن العقدة السياسية والقانونية للملف، فالدكاترة لا يطلبون إحساناً ولا منحة ولا تسوية خارج النص، بل يطلبون أن يكون القانون قانوناً، وأن لا يتحول تفعيله إلى مزاج إداري أو تقدير مؤجل بلا سقف زمني واضح.
وزارة العدل من جهتها تربط معالجة الطلبات بوجود الخصاص وحاجيات الدوائر القضائية وعدد العدول ومؤشرات النشاط التوثيقي، وهذا منطق إداري يمكن فهمه من زاوية تنظيم المهنة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ستار كثيف يحجب الحق في الجواب، لأن أخطر ما يمكن أن يقع بين المواطن والإدارة ليس الرفض فقط، بل الانتظار بلا تفسير.
المفارقة أن خطة العدالة، وهي مهنة قائمة في جوهرها على التوثيق والثقة وحماية الحقوق، أصبحت بالنسبة لهؤلاء الدكاترة عنواناً لجرح مهني مفتوح، فكيف نطلب من شاب أو باحث أن يثق في المسار الأكاديمي إذا كان آخر الطريق ليس منصباً ولا مهنة ولا جواباً واضحاً، بل طابور انتظار طويل أمام باب موارب.
ثم جاء مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول ليزيد قلق هذه الفئة، بعدما دخل مساراً تشريعياً متقدماً وصادق عليه مجلس النواب في قراءة أولى، ثم أحيل على مجلس المستشارين حيث عرفت مناقشته 332 تعديلاً، قبل أن يوافق عليه مجلس المستشارين في جلسة 21 أبريل 2026، ثم عاد إلى مجلس النواب وصودق عليه في قراءة ثانية يوم 28 أبريل 2026.
الخوف عند الدكاترة ليس من تنظيم المهنة، ولا من تطوير شروطها، بل من أن يتحول الإصلاح إلى إغلاق للباب في وجه فئة رتبت اختياراتها وانتظاراتها على مقتضيات قائمة، وقدمت ملفاتها في ظل قانون يمنحها موقعاً خاصاً، ثم وجدت نفسها فجأة أمام قواعد جديدة قد تعيدها إلى نقطة الصفر.
لا أحد يعارض تحديث مهنة العدول، ولا أحد يريد إغراقها عشوائياً، لكن التحديث الحقيقي لا يبدأ بإرباك أصحاب الحقوق، بل بوضع انتقال قانوني عادل يحمي الملفات السابقة، ويفتح باب الحوار، ويمنح جواباً صريحاً للمعنيين، إما بالإدماج وفق الخصاص المعلن وبجدولة واضحة، أو بتعليل إداري مكتوب يحترم كرامة الناس وحقهم في معرفة مصيرهم.
هذه الفئة “مسكينة” ليس لأنها ضعيفة في مستواها العلمي، بل لأنها قوية في الشهادة وضعيفة أمام صمت الإدارة، قوية في النص وضعيفة أمام بطء التفعيل، قوية في الحجة وضعيفة أمام واقع يجعل الدكتوراه أحياناً ورقة ثقيلة في اليد وخفيفة في سوق القرار.
قضية دكاترة المادة التاسعة ليست معركة ضد وزارة، بل امتحان صغير لكيفية تعامل الدولة مع الكفاءة حين تأتيها من الباب القانوني، فإما أن يكون القانون ممراً للإنصاف، وإما أن يتحول إلى وعد جميل معلق على الحائط، يقرؤه الناس في النصوص ولا يجدونه في الواقع.
والأخطر من كل ذلك أن ترك هذه الفئة في الانتظار لا يضرب فقط حلم أشخاص محدودين، بل يبعث برسالة سيئة إلى آلاف الطلبة والباحثين، مفادها أن سنوات البحث لا تكفي، وأن النص القانوني لا يكفي، وأن طرق الباب بالطريقة الصحيحة قد لا يكفي أيضاً.
لهذا، يحتاج الملف اليوم إلى قرار شجاع لا إلى مزيد من الصمت، قرار يعترف بحق الدكاترة في الوضوح، ويحمي المهنة من الارتباك، ويحفظ للدولة صورتها كدولة قانون لا كإدارة تترك أبناءها بين الرفوف والوعود والانتظار.
