بقلم: الباز عبدالإله
ليست كل قصص الفرار من السجون مجرد أخبار عابرة تنتهي بإعادة الاعتقال أو فتح تحقيق إداري، فبعضها يتحول إلى مرآة صادمة تكشف ثغرات المراقبة، وحدود الحراسة، وأسئلة الثقة في أكثر الأماكن التي يفترض أن تكون محكمة الإغلاق.
من بين هذه القصص تبرز واقعة فرار تسعة سجناء مدانين في قضايا ثقيلة من السجن المركزي بالقنيطرة، ليلة 7 أبريل 2008، عبر نفق أرضي، في عملية وصفتها الرواية المتداولة بأنها لم تكن حدثاً عادياً، بل أقرب إلى مشهد سينمائي خرج من قلب مؤسسة سجنية يفترض أنها من أكثر المؤسسات حساسية.
الخطير في القصة ليس فقط أن سجناء تمكنوا من مغادرة السجن، بل أن العملية، حسب الرواية المنسوبة إلى عبد الهادي الذهبي الملقب بأبي أنس، لم تكن لحظة ارتجال أو حركة يائسة، بل مساراً طويلاً من التخطيط والانتظار وتوزيع الأدوار داخل فضاء يفترض أنه خاضع للحراسة والتفتيش والروتين اليومي الصارم.
هذا المعطى وحده يطرح سؤالاً ثقيلاً، كيف يمكن لعملية بهذا الحجم أن تنضج داخل السجن دون أن تلتقطها آليات المراقبة في الوقت المناسب؟
الرواية تقدم نفسها باعتبارها شهادة من داخل العملية، لكنها في الوقت نفسه تفتح باباً واسعاً أمام قراءة أخرى، قراءة لا تبحث عن صناعة البطولة من واقعة فرار، ولا عن تحويل سجناء مدانين في ملفات خطيرة إلى شخصيات مثيرة، بل تسأل عن الثغرات التي جعلت الفكرة تتحول إلى فعل، والفعل يتحول إلى هروب جماعي.
فالسجن ليس بناية فقط، بل منظومة مراقبة وانضباط وتقدير مخاطر، وحين ينجح تسعة أشخاص في الخروج من داخله، فإن السؤال لا يبقى مرتبطاً بالنفق وحده، بل يمتد إلى الحراسة، والتفتيش، وتدبير الزنازين، ومراقبة التحركات، وطريقة قراءة العلامات الصغيرة قبل أن تتحول إلى فضيحة كبرى.
في تفاصيل الرواية، تحضر إشارات إلى التعب، والتمويه، والانتظار، والخوف من الانكشاف، كما تحضر فكرة أن العملية لم تكن معزولة عن المناخ الداخلي للسجن، ولا عن العلاقات بين السجناء، ولا عن قدرة بعضهم على استغلال الروتين اليومي لصناعة هامش حركة غير مرئي.
وهنا بالضبط تكمن خطورة القصة، لأن أكبر اختراق لا يبدأ دائماً بكسر الباب، بل يبدأ حين يتحول العادي إلى غطاء، والحركة المتكررة إلى شيء لا يثير الانتباه، والصمت إلى ستار يخفي ما يجري تحت السطح.
لهذا لا يمكن التعامل مع “الهروب الكبير” باعتباره حكاية مثيرة فقط، بل باعتباره ملفاً أمنياً وإدارياً يفرض طرح أسئلة باردة، من كان يراقب؟ ماذا كانت تلتقط آليات المراقبة؟ كيف لم تتحول المؤشرات الصغيرة إلى إنذار؟ ولماذا احتاجت المؤسسة إلى صدمة الهروب كي يظهر حجم الخلل؟
القصة، في بدايتها، لا تعطينا كل الأجوبة، لكنها تمنحنا مدخلاً واضحاً لفهم ما سيأتي بعدها، نفق تحت الأرض، وأسئلة فوق الأرض، ورواية تتقدم ببطء نحو واحدة من أكثر لحظات السجن المركزي بالقنيطرة إحراجاً.
وتبقى هذه المادة قراءة صحفية في واقعة موثقة إعلامياً، اعتماداً على معطيات منشورة وروايات متداولة، دون تبنّي أي رواية غير مؤكدة كحقيقة نهائية.
الحلقة المقبلة:
أين اختفت الأتربة؟ السؤال الذي زاد لغز الهروب الكبير تعقيداً
