بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية أن المجلس الأعلى للحسابات باشر مهام افتحاص دقيقة طالت ما لا يقل عن 13 مؤسسة ومقاولة عمومية وملحقات تابعة لها، بعد رصد اختلالات وصفت بالجسيمة في تدبير نفقات مرتبطة ببرامج التكوين والأسفار المهنية خارج المغرب، وسط شبهات تتعلق بتصريحات مسؤولين كبار حول تكاليف تنقلاتهم وأنشطتهم الخارجية.
المعطيات المتداولة لا تقدم الأمر كخبر إداري عابر، بل كملف ثقيل يفتح نافذة على منطقة ظل داخل بعض المؤسسات العمومية، حيث تختلط عناوين التكوين والتأهيل والتواصل مع أسئلة المال العام والرقابة والمسؤولية، وحدود استعمال الميزانيات العمومية في نفقات يفترض أن تخدم المرفق العام لا المسارات الشخصية.
وحسب المصادر ذاتها، فقد ركز قضاة المجلس الأعلى للحسابات على نفقات التكوين والتأهيل التي عرفت ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة داخل عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية، خصوصاً بعدما تبين أن مسؤولين وأطراً استفادوا من تكوينات طويلة الأمد خارج المملكة، بعضها تجاوز ستة أشهر، دون اتفاقيات رسمية موقعة بين إداراتهم ومؤسسات شريكة، ودون تقارير مرحلية أو مخرجات موثقة تثبت الاستفادة الفعلية من هذه البرامج.
الأكثر إثارة في الملف، وفق المعطيات نفسها، حالة مسؤول سابق بمؤسسة عمومية مقرها الرباط استفاد من تكوين في الولايات المتحدة الأمريكية على حساب المؤسسة، امتد لأكثر من سنة، قبل أن يستقيل من منصبه فور عودته ويؤسس شركة خاصة للاستشارة في مجال قريب من نشاط المؤسسة التي كان يشتغل بها، وهي واقعة تطرح سؤالاً حارقاً حول ما إذا كانت بعض المؤسسات العمومية تؤهل كفاءات لخدمة المرفق العام، أم تمول بشكل غير مباشر مشاريع خاصة بأموال عمومية.
هذا النوع من الوقائع، إذا تأكدت تفاصيله كاملة، لا يطرح فقط إشكال المصاريف، بل يكشف خللاً أعمق في فلسفة التدبير داخل بعض المؤسسات العمومية، حيث يمكن أن تتحول ميزانية التكوين من أداة لتطوير الأداء إلى باب خلفي للترقية الشخصية، وتتحول المهمة المهنية إلى امتياز، ويتحول المال العام إلى وسيلة لبناء مسارات فردية لا تعود دائماً بالنفع على المؤسسة ولا على المواطن.
وتشير المعطيات الإعلامية إلى أن أبحاث قضاة الحسابات كشفت عن تناقضات بين الوثائق المحاسباتية والتصريحات المقدمة للإدارات، من بينها تعويضات صُرفت عن مهام وتكوينات لم تُنجز فعلياً رغم تسجيلها في دفاتر المهمات، إضافة إلى شبهات إشهادات خاطئة لتسهيل استفادة مديرين مركزيين من تعويضات وهمية، فضلاً عن توظيف بنود ميزانية التواصل لتغطية هدايا تحولت إلى استعمالات شخصية.
هنا لا نكون أمام خطأ إداري بسيط، بل أمام ثقافة تدبير تحتاج إلى مساءلة حقيقية، لأن الوثيقة حين تتحول إلى غطاء، والتوقيع حين يتحول إلى ممر، والبند الميزاني حين يصبح قابلاً للتطويع، فإن المشكل لا يبقى في الفاتورة وحدها، بل في المنظومة التي سمحت للفواتير بأن تمر بهذا الشكل.
لكن السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يكفي أن يفتح المجلس الأعلى للحسابات الدفاتر فقط؟
فالافتحاص مهم، والتدقيق ضروري، والتقارير تكشف ما تخفيه المكاتب، لكن التجربة علمت المغاربة أن فتح الدفاتر وحده لا يكفي إذا لم يفتح بعده باب المحاسبة، لأن الخطر الحقيقي ليس فقط في وجود نفقات مشبوهة، بل في أن تتحول تقارير الرقابة إلى وثائق أنيقة تُقرأ ثم تُركن، بينما يعود نفس المنطق إلى الاشتغال تحت عناوين جديدة وبنود أكثر نعومة.
المجلس الأعلى للحسابات لا ينبغي أن يظهر في نظر الرأي العام كمؤسسة تكتفي بإضاءة المصباح فوق الخلل ثم تترك الغرفة كما هي، فالمغاربة لا ينتظرون فقط معرفة من سافر، ومن تكوّن، ومن صرف، ومن وقّع، بل ينتظرون معرفة من سيحاسَب، ومن سيُرجع المال إذا ثبت الاختلال، ومن سيُمنع من تحويل موقع المسؤولية إلى بطاقة أداء مفتوحة باسم الإدارة.
وتزداد خطورة الملف مع ما أوردته المصادر الإعلامية بشأن تنسيق قضاة المجلس الأعلى للحسابات مع مكتب الصرف وبنك المغرب، من أجل تعميق البحث في كشوفات محاسباتية لمؤسسات بعينها، حيث تبين أن مسؤولين استعملوا بطاقات أداء دولية ممنوحة لهم في إطار مهام إدارية لتغطية نفقات شخصية، قبل إدراجها ضمن مصاريف إدارية أو تكوينات مهنية.
هذه النقطة بالذات تنقل الملف من مستوى سوء تدبير محتمل إلى مستوى أكثر حساسية، لأنها تتعلق باستعمال أدوات مالية رسمية خارج الأغراض التي وضعت من أجلها، وبنفقات قد تكون تجاوزت الحدود المسموح بها وفق تعليمات الصرف، وهو ما يجعل السؤال عن النية والرقابة والمسؤولية سؤالاً مشروعاً لا يمكن القفز عليه بتبريرات إدارية باردة.
وحين تكشف بيانات الصرف عن تعاملات في وجهات لا علاقة لها ببرامج التكوين المعلنة، وحين يرفض محاسبون عموميون التأشير على طلبات اعتمادات مريبة، فهذا يعني أن داخل الإدارة نفسها من كان يرى الخلل ويحاول توقيفه، لكنه كان يصطدم بثقافة أقوى من المسطرة، ثقافة تعتبر المال العام قابلاً للتكييف، والبند الميزاني قابلاً لإعادة التسمية، والرقابة مجرد محطة يمكن تجاوزها بالتبرير المناسب.
المشكلة ليست في التكوين بالخارج في حد ذاته، فالدولة تحتاج إلى أطر مؤهلة، والمؤسسات العمومية تحتاج إلى الانفتاح على التجارب الدولية، لكن الفرق كبير بين تكوين مؤطر بأهداف واتفاقيات وتقارير ونتائج، وبين سفر طويل لا يترك وراءه سوى فواتير وتعويضات.
والفرق أكبر بين مسؤول يعود بخبرة تخدم المؤسسة، ومسؤول يعود برصيد علاقات ومعرفة يمشي بها مباشرة نحو مشروع خاص، بعدما تكون المؤسسة العمومية قد أدت كلفة تكوينه من ميزانيتها.
لذلك فإن هذا الملف يضع الحكومة ومجالس الإدارة وأجهزة الرقابة الداخلية أمام امتحان واضح: هل ستُعامل هذه الاختلالات المفترضة كأخطاء قابلة للتصحيح الإداري فقط، أم كوقائع تستوجب ترتيب المسؤوليات وإحالة ما يستحق الإحالة على الجهات المختصة؟
المال العام لا يُحمى بالتقارير وحدها، ولا تُستعاد الثقة بمجرد الإعلان عن افتحاصات جديدة، بل تُستعاد حين يرى المواطن أن من أخطأ أدى الثمن، ومن استفاد بغير حق أعاد ما استفاد منه، ومن وقّع خارج الضوابط لم يختبئ خلف الصفة أو المنصب أو منطق الخطأ الإداري.
لقد تعب المواطن من دولة تملك قدرة كبيرة على التشخيص، لكنها لا تذهب دائماً بنفس القوة إلى العلاج، وتعب من ملفات تبدأ بضجيج الرقابة وتنتهي بصمت المساطر، لذلك فإن القيمة الحقيقية لهذا الافتحاص لن تقاس بعدد المؤسسات التي فُتحت دفاترها، بل بعدد القرارات التي ستأتي بعدها.
ما كشفته مصادر إعلامية يفتح واحدة من أكثر مناطق الإنفاق العمومي حساسية، منطقة تبدو نظيفة في العناوين لأنها تحمل أسماء التكوين والتأهيل والتواصل، لكنها قد تخفي تحتها، إذا ثبتت المعطيات، شبكة من الامتيازات الناعمة التي لا تترك دائماً أثراً صارخاً مثل الصفقات الكبرى، لكنها تستنزف المال العام بالتقسيط وبهدوء وباسم الإدارة الحديثة.
وهنا يصبح سؤال المحاسبة أكبر من سؤال الافتحاص، لأن فتح الدفاتر خطوة أولى، أما الدولة الجدية فهي التي لا تكتفي بعدّ الفواتير، بل تسأل من وقّعها، ولماذا صُرفت، ومن استفاد، وماذا عاد على المؤسسة والمواطن، ومن يجب أن يتحمل المسؤولية حين يتحول التكوين إلى سفر، والسفر إلى امتياز، والامتياز إلى عبء جديد على المال العام.
