لم يعد فيديو وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير مجرد مشهد عابر في حرب الصور، بل تحول إلى اختبار دبلوماسي صريح، كشف بسرعة من اختار لغة الإدانة المباشرة، ومن فضّل البقاء في منطقة الصمت أو الاكتفاء بالمواقف العامة.
الفيديو الذي أظهر نشطاء من أسطول الصمود العالمي جاثمين على الأرض ومقيدي الأيدي، بينما كان بن غفير يتجول بينهم في مشهد استفزازي، دفع عدداً من العواصم الغربية إلى التحرك، بعدما اعتبرت أن الأمر لا يتعلق فقط باعتراض أسطول بحري، بل بإهانة علنية لمدنيين محتجزين.
كندا كانت من أبرز الدول التي رفعت النبرة، بعدما اعتبرت ما جرى “مقلقاً وغير مقبول إطلاقاً”، وأعلنت استدعاء السفير الإسرائيلي للاحتجاج على طريقة التعامل مع النشطاء المحتجزين.
المفوضية الأوروبية دخلت بدورها على الخط، واعتبرت أن معاملة النشطاء كما ظهرت في الفيديو غير مقبولة، مؤكدة أن كل شخص محتجز يجب أن يعامل بسلامة وكرامة ووفق القانون الدولي.
ولم تقف موجة الغضب عند كندا وأوروبا، فقد صدرت مواقف قوية من دول بينها إيطاليا وفرنسا وهولندا وإسبانيا وبريطانيا وإيرلندا وألمانيا، خصوصاً أن عدداً من مواطني هذه الدول كانوا ضمن المشاركين في الأسطول.
عربياً وخليجياً، برز الموقف القطري كأوضح موقف رسمي مباشر، بعدما أدانت وزارة الخارجية القطرية ما سمته “تنكيل” بن غفير بنشطاء أسطول الصمود العالمي، واعتبرته معاملة غير إنسانية وانتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني.
كما صدر بيان مشترك عن وزراء خارجية دول بينها الأردن وليبيا، إلى جانب تركيا وبنغلاديش والبرازيل وكولومبيا وإندونيسيا وماليزيا والمالديف وباكستان وإسبانيا، أدان بأشد العبارات الاعتداءات الإسرائيلية على أسطول الصمود، وطالب بالإفراج الفوري عن النشطاء واحترام حقوقهم وكرامتهم.
لكن اللافت أن عدداً من العواصم العربية والخليجية لم يظهر لها، إلى حدود المعطيات المتاحة، موقف رسمي خاص بفيديو بن غفير نفسه، أو تحرك دبلوماسي مباشر شبيه بما قامت به كندا وعدد من الدول الأوروبية.
وهنا لا يصبح السؤال موجهاً إلى واقعة الاحتجاز وحدها، بل إلى ميزان الخطاب الدولي والعربي حين يتعلق الأمر بمشهد إهانة مدنيين أمام الكاميرات، وهل يكفي الاكتفاء بالمواقف العامة من غزة حين تتحول الكرامة الإنسانية إلى مادة استعراض سياسي أمام وزير متطرف.
القضية لا تحتاج إلى شعارات كبيرة، فالمطلوب في مثل هذه اللحظات ليس مزايدة ولا تصعيداً مجانياً، بل موقف واضح يحمي الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، لأن الصمت في السياسة الخارجية ليس دائماً حكمة، وأحياناً يصبح رسالة بحد ذاته.
كشف فيديو بن غفير أن معركة غزة لم تعد فقط معركة حدود ونار وحصار، بل صارت أيضاً معركة صورة وكرامة ومواقف، حيث تتقدم بعض الدول خطوة إلى الأمام، بينما تترك دول أخرى فراغاً سياسياً تملؤه الأسئلة.
