بقلم: الباز عبدالإله
الحماية الاجتماعية على محك الواقع… تقرير رسمي يكشف ثمن البطالة النسائية والاقتصاد غير المهيكل
لم يعد ورش الحماية الاجتماعية في المغرب مجرد مشروع اجتماعي واسع يراد له أن يخفف كلفة المرض والهشاشة والشيخوخة، بل صار امتحاناً حقيقياً لقدرة الاقتصاد نفسه على إنتاج الشغل المنظم، وتوسيع قاعدة المساهمين، وإدماج الفئات التي ظلت طويلاً خارج دائرة الأجر المستقر، والتقاعد، والتغطية المنتظمة.
وجاء تقرير جديد للمندوبية السامية للتخطيط، منشور في ماي 2026 تحت عنوان “القطاع غير المهيكل، النوع الاجتماعي والشيخوخة”، ليضع الأصبع على واحدة من أعقد المفارقات الاجتماعية والاقتصادية في المغرب: لا يمكن بناء حماية اجتماعية قوية فوق اقتصاد واسع غير مهيكل، وسوق شغل يترك النساء في الهامش، ومجتمع يتجه تدريجياً نحو الشيخوخة.
التقرير لا يهاجم مشروع الدولة الاجتماعية، لكنه يقول بلغة الأرقام إن تعميم الحماية ليس مسألة بطائق وتسجيل فقط، بل مسألة قاعدة اقتصادية قادرة على التمويل والاستمرار.
فحين يكون جزء واسع من العمل خارج التصريح، وخارج الاشتراك، وخارج مسارات التقاعد، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط من سيستفيد من الحماية، بل من سيمولها حين يتسع عدد المستفيدين ويضيق عدد المساهمين.
الأكثر حساسية في التقرير هو وضع النساء داخل هذه المعادلة.
فضعف مشاركة النساء في سوق الشغل لا يعني فقط ضياع طاقات بشرية واقتصادية، بل يعني أيضاً إنتاج هشاشة مؤجلة تظهر بقوة في سن التقاعد، حيث تجد نساء كثيرات أنفسهن خارج منظومة المعاش، أو داخلها بمعاشات ضعيفة وغير كافية.
وتحدثت تغطيات إعلامية للتقرير عن فجوة واضحة في الاستفادة من التقاعد، إذ لا تتجاوز نسبة النساء فوق 60 سنة اللواتي يتقاضين معاشاً 15 في المائة، مقابل 37 في المائة لدى الرجال، وهي أرقام تكشف أن هشاشة اليوم قد تتحول، مع مرور السنوات، إلى عزلة اجتماعية ومالية في مرحلة الشيخوخة.
هنا يصبح الاقتصاد غير المهيكل أكثر من مجرد نشاط خارج القنوات النظامية للتصريح والمساهمة.
إنه مصنع طويل للهشاشة.
يشتغل فيه الناس اليوم بلا ضمانات كافية، ثم يدخلون غداً إلى الشيخوخة بلا حماية كافية، وبين المرحلتين تتراكم الفواتير الاجتماعية التي ستدفعها الدولة أو الأسرة أو المجتمع.
الرسالة السياسية العميقة في التقرير أن الحماية الاجتماعية لا يمكن أن تنجح وحدها إذا بقي سوق الشغل عاجزاً عن إدماج النساء، وإذا بقيت آلاف الأنشطة الاقتصادية تتحرك في الظل، وإذا ظل الإصلاح الاجتماعي أسرع من الإصلاح الاقتصادي.
فالدولة يمكن أن تعلن التعميم، ويمكن أن توسع التغطية، ويمكن أن تضخ موارد إضافية، لكن الاستدامة تحتاج شيئاً آخر: شغلاً مصرحاً به، وأجوراً لائقة، ومساهمات منتظمة، ونساء داخل الدورة الاقتصادية لا على هامشها.
المفارقة أن المغرب يتحدث اليوم عن تعميم الحماية الاجتماعية كأحد أكبر أوراش الدولة الاجتماعية، لكن تقرير المندوبية السامية للتخطيط يذكر بأن هذا الورش يحتاج إلى اقتصاد اجتماعي فعلي، لا إلى اقتصاد بسرعتين: سرعة منظمة تستفيد وتساهم، وسرعة غير مهيكلة تشتغل وتشيخ خارج الحساب.
ولهذا، لم يعد السؤال فقط: هل نعمم الحماية الاجتماعية؟
السؤال الأعمق أصبح: هل نملك اقتصاداً منظماً بما يكفي لكي يحمل هذا الورش على المدى الطويل؟
الخطر الحقيقي، إذن، ليس أن يفشل ورش الحماية الاجتماعية كشعار، بل أن ينجح إدارياً ويتعثر مالياً واجتماعياً، لأنه وُضع فوق سوق شغل هش، ونساء كثيرات خارج الاقتصاد المنظم، وشيخوخة تتقدم بسرعة أكبر من قدرة السياسات العمومية على التدارك.
