لم يعد نظام الدعم الاجتماعي المباشر مجرد آلية مالية لمساعدة الأسر الهشة، بل صار واحداً من أكثر اختبارات “الدولة الاجتماعية” حساسية، لأنه يضع الحكومة أمام سؤال دقيق: كيف يمكن تشجيع الناس على العمل المصرح به، دون أن يتحول هذا التصريح نفسه إلى سبب لفقدان الدعم.
في هذا السياق، صادق مجلس الحكومة على مشروع قانون جديد يغير ويتمم القانون المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر، في خطوة تقول الحكومة إنها تروم توسيع الحماية الاجتماعية، وتعزيز الإدماج الاقتصادي، وتجويد آليات الاستهداف.
لكن خلف اللغة التقنية للمشروع، توجد ثغرة اجتماعية أربكت الورش منذ بداية تنزيله، وتتعلق أساساً بوضعية بعض الأسر التي فقدت حقها في الاستفادة من الدعم، بمجرد التصريح برب الأسرة أو أحد الزوجين لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
هذه الوضعية خلقت مفارقة قاسية: أسرة تحاول الخروج من الهشاشة عبر عمل محدود أو دخل ضعيف، فتجد نفسها فجأة أمام خطر فقدان مساعدة كانت تعتمد عليها لتدبير تكاليف الحياة اليومية.
وهنا لم يعد السؤال مرتبطاً فقط بمن يستحق الدعم ومن لا يستحقه، بل بكيفية الانتقال من الهشاشة إلى العمل دون سقوط اجتماعي مفاجئ.
فالدولة الاجتماعية، في جوهرها، لا يمكن أن تطلب من المواطن أن يدخل إلى سوق الشغل المهيكل، ثم تجعله يخاف من التصريح بالعمل، أو يشعر بأن تحسين وضعيته قد يتحول إلى عقوبة غير مباشرة.
الحكومة تقدم التعديل الجديد باعتباره محاولة لإصلاح هذه الثغرة، عبر إقرار آلية تسمح بمواكبة الأسر التي فقدت الدعم بسبب التصريح في نظام الضمان الاجتماعي، بما يضمن عدم تركها بين وضعين هشين: خارج الدعم من جهة، وداخل عمل لا يكفي بعدُ لضمان الاستقرار من جهة أخرى.
القضية هنا ليست تقنية فقط، بل سياسية واجتماعية بامتياز، لأنها تمس الثقة في ورش كبير قُدم للمغاربة باعتباره عنواناً مركزياً للمرحلة الجديدة من الحماية الاجتماعية.
فحين يشعر المواطن أن دعمه يمكن أن يتوقف بسبب تصريح إداري، أو بسبب انتقال هش نحو عمل محدود الدخل، فإن المشكل لا يبقى في النص القانوني وحده، بل ينتقل إلى صورة الدولة الاجتماعية نفسها.
ولهذا يبدو المشروع الجديد أقرب إلى اعتراف ضمني بأن تنزيل الدعم المباشر كشف عن اختلالات تحتاج إلى تصحيح، وأن العدالة الاجتماعية لا تتحقق فقط بإطلاق البرامج، بل أيضاً بقدرة هذه البرامج على التكيف مع واقع الأسر، ومع تعقيدات سوق الشغل، ومع هشاشة المداخيل.
فالأسرة التي يصرح أحد أفرادها في الضمان الاجتماعي لا تصبح بالضرورة أسرة ميسورة، ولا تخرج تلقائياً من دائرة الحاجة، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف الأجور، واتساع الفئات التي تعيش بين الفقر الظاهر والهشاشة الصامتة.
ومن هنا، فإن ربط الدعم بالعمل يحتاج إلى كثير من الحذر، لأن الهدف لا ينبغي أن يكون دفع الناس للاختيار بين المساعدة الاجتماعية والعمل، بل بناء مسار تدريجي يسمح لهم بالخروج من الهشاشة دون خسارة الحماية دفعة واحدة.
التعديل الجديد قد يكون خطوة مهمة في هذا الاتجاه، لكنه سيظل محتاجاً إلى نصوص تنظيمية واضحة، ومساطر بسيطة، وتواصل دقيق مع المواطنين، حتى لا يتحول الإصلاح نفسه إلى مصدر جديد للارتباك.
كما أن نجاحه سيتوقف على قدرة الإدارة على معالجة الملفات بسرعة وعدالة، وفتح قنوات تظلم فعالة أمام الأسر التي تعتبر نفسها متضررة من قرارات التوقيف أو الإقصاء.
فالدولة الاجتماعية لا تقاس فقط بعدد المستفيدين ولا بحجم المبالغ المرصودة، بل تقاس أيضاً بقدرتها على حماية الناس في لحظات الانتقال، حين يحاولون مغادرة الهشاشة، لكنهم لم يصلوا بعد إلى الأمان الاقتصادي.
بهذا المعنى، فإن مراجعة نظام الدعم الاجتماعي المباشر ليست مجرد تعديل قانوني عابر، بل اختبار جديد لمدى قدرة الحكومة على تصحيح اختلالات التنزيل، وبناء توازن حقيقي بين منطق الدعم ومنطق التشغيل.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة لمعرفة ما إذا كانت هذه المراجعة ستفتح فعلاً مرحلة تصحيح داخل ورش الدولة الاجتماعية، أم أنها ستبقى مجرد معالجة محدودة لثغرة كشفت أن الطريق بين الدعم والعمل ما زال يحتاج إلى عدالة أوضح وثقة أكبر.
