لم يعد حضور الدول في المؤشرات الدولية مرتبطاً فقط بحجم المشاريع التي تعلنها، ولا بعدد الأوراش الكبرى التي تطلقها، بل صار مرتبطاً أيضاً بجودة الأرقام التي تقدمها، وبقدرتها على تحويل السياسات العمومية إلى بيانات دقيقة، قابلة للقياس، ومقنعة أمام المؤسسات الدولية.
في هذا السياق، أدرجت شبكة Global Footprint Network المغرب ضمن الدول غير المشمولة في جدول Country Overshoot Days 2026، وهو مؤشر بيئي يقيس اليوم الافتراضي الذي ستكون فيه البشرية قد استنزفت ميزانية الأرض البيئية السنوية، إذا عاش جميع سكان العالم بنفس نمط استهلاك سكان بلد معين.
غير أن المهم هنا أن الأمر لا يتعلق بإدانة بيئية مباشرة للمغرب، ولا بتصنيف يقول إن البلاد فشلت في حماية مواردها، بل بسبب أكثر حساسية في زمن المؤشرات الدولية: جودة البيانات.
فالشبكة أوضحت، عبر منصة Earth Overshoot Day، أن بعض الدول تم استبعادها من جدول 2026 بسبب معطيات غير مكتملة أو غير موثوقة، أو لأنها حصلت على تقييم منخفض في جودة البيانات داخل حسابات البصمة البيئية والقدرة البيولوجية، وذكرت المغرب ضمن هذه الدول غير المدرجة في الجدول.
هنا تصبح المفارقة قوية.
فالمغرب الذي يقدم نفسه كفاعل إقليمي في الطاقات المتجددة، والاقتصاد الأخضر، ومواجهة ندرة المياه، لا يتحرك داخل شعارات صغيرة، بل داخل أوراش مالية ضخمة، بمبالغ ثقيلة، وتمويلات دولية كبرى، وبرامج تمتد على سنوات.
في ملف الماء وحده، انتقل البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027 من غلاف مالي قدره 115 مليار درهم إلى حوالي 150 مليار درهم، لمواجهة الجفاف وتأمين الماء في بلد صار الضغط المائي فيه جزءاً من الأمن الوطني، وفق معطيات نشرتها Informa Connect.
وفي قطاع الكهرباء والطاقات المتجددة، كشفت معطيات أوردتها Reuters، مرتبطة باستراتيجية المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب للفترة 2025-2030، عن برنامج استثماري يقارب 120 مليار درهم، لإضافة 15 جيغاواط من القدرة الكهربائية، منها حوالي 13 جيغاواط من الطاقات المتجددة.
أما على مستوى التمويلات الدولية، فقد وافق صندوق النقد الدولي سنة 2023 على ترتيب تمويلي لفائدة المغرب بقيمة تقارب 1.3 مليار دولار، أي ما يعادل تقريباً 13 مليار درهم، في إطار آلية الصمود والاستدامة، لدعم الانتقال نحو اقتصاد أكثر خضرة، وتقوية الجاهزية أمام الكوارث المناخية، ومواجهة ندرة المياه.
وفي أبريل 2026، وافق البنك الدولي بدوره على تمويل بقيمة 500 مليون دولار لفائدة المغرب، أي ما يقارب 5 مليارات درهم، ضمن برنامج للوظائف والنمو الأخضر، يربط بين سوق الشغل والاستثمار في الطاقة النظيفة والنجاعة الطاقية ودعم المقاولات.
والأكبر من ذلك، أن المغرب قدّر، في مساهمته المناخية لدى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، أن تنفيذ برامج التكيف مع التغير المناخي بين 2020 و2030 سيكلف، على الأقل، 35 مليار دولار في القطاعات الأكثر هشاشة، خصوصاً الماء والغابات والفلاحة، أي ما يفوق تقريباً 350 مليار درهم.
بمعنى آخر، نحن أمام كتلة مالية ضخمة تتجاوز، عند جمع هذه الأرقام الكبرى بشكل تقريبي، 600 مليار درهم بين برامج وطنية، وتمويلات دولية، وحاجيات مناخية معلنة.
وهنا بالضبط تكمن قوة السؤال.
نحن لا نتحدث عن بلد خارج أجندة المناخ، ولا عن دولة لا تعلن مشاريع في الماء والطاقة والانتقال الأخضر، بل عن بلد يعبئ مئات المليارات من الدراهم، ويمر عبر مؤسسات مالية دولية كبرى، ويقدم نفسه كفاعل في مواجهة الجفاف والتحول المناخي.
ومع ذلك، يظهر في مؤشر بيئي عالمي أن المشكل لا يكون دائماً في غياب المشاريع، بل أحياناً في قدرة البيانات على إثبات الصورة التي تريد الدولة تقديمها.
فالضربة الحقيقية ليست أن المغرب غير موجود في جدول بيئي معين فقط، بل أن هذا الغياب جاء من بوابة جودة المعطيات.
ما قيمة الأوراش الخضراء الكبرى، والسدود، ومحطات التحلية، والبرامج الكهربائية، والتمويلات الدولية، إذا كانت الأرقام التي تقيس أثرها لا تمر دائماً من اختبار الثقة الدولي؟
في عالم اليوم، البيانات لم تعد تفصيلاً إدارياً.
أصبحت جزءاً من السيادة، وجزءاً من الثقة، وجزءاً من جاذبية الدولة أمام المستثمرين والمؤسسات الدولية.
الدولة التي لا تملك بيانات قوية، ومنظومة قياس واضحة، وأرقاماً قابلة للتدقيق والمقارنة، قد تجد نفسها غائبة من مؤشر، أو حاضرة بصورة ناقصة، حتى وهي تصرف وتعبئ وتعلن.
المغرب ليس أمام “فضيحة بيئية” بالمعنى الشعبوي للكلمة، لكنه أمام ملاحظة أعمق وربما أخطر.
الانتقال الأخضر لا يحتاج فقط إلى المال، ولا إلى المشاريع الكبرى، ولا إلى التمويلات الدولية، بل يحتاج أيضاً إلى أرقام نظيفة، وبيانات قوية، ومؤسسات قادرة على تحويل الإنفاق العمومي إلى أثر قابل للقياس.
فالغياب بسبب ضعف البيانات قد يكون أحياناً أكثر إرباكاً من ترتيب متأخر.
لأن الترتيب المتأخر يمكن تفسيره وتحسينه، أما الغياب فيطرح سؤالاً أبسط وأقسى:
هل المشكلة في الواقع، أم في طريقة قياس الواقع؟
لهذا، فإن عدم إدراج المغرب في جدول بيئي عالمي بسبب جودة البيانات يجب أن يُقرأ كتنبيه هادئ لا كحكم نهائي.
تنبيه يقول إن صورة الدولة في زمن المؤشرات لا تصنعها المشاريع وحدها، بل تصنعها أيضاً جودة المعلومة، وشفافية الأرقام، وقدرة المؤسسات على جعل البيانات نفسها جزءاً من الثقة.
فحين تتجاوز الكلفة المعلنة والمرتبطة بالماء والطاقة والتكيف المناخي مئات المليارات من الدراهم، يصبح السؤال مشروعاً: هل نملك فقط مشاريع كبرى، أم نملك أيضاً بيانات كبرى تشرح أين تذهب هذه الأموال، وماذا تغير فعلاً في حياة البلاد والعباد؟
