بقلم: الباز عبدالإله
اعتمدت جمعية الصحة العالمية في دورتها التاسعة والسبعين قراراً دولياً جديداً يهم النهوض بالإنصاف الصحي لفائدة المصابين بالهيموفيليا وباقي اضطرابات النزيف، في خطوة تمنح هذا الملف الصحي النادر موقعاً أقوى داخل أجندة منظمة الصحة العالمية، بعدما ظل لسنوات طويلة محصوراً بين صمت المرض، وكلفة العلاج، وضعف التشخيص المبكر.
وأعلن الاتحاد العالمي للهيموفيليا أن القرار المتعلق بـ“العمل العالمي من أجل تعزيز الإنصاف الصحي للأشخاص المصابين بالهيموفيليا واضطرابات النزيف الأخرى” اعتُمد داخل جمعية الصحة العالمية، مع التنويه بالدول التي ساهمت في هذا المسار، ومن بينها المغرب، إلى جانب أرمينيا التي قادت المبادرة، ودول أخرى شاركت في رعاية القرار.
أهمية القرار لا تكمن فقط في رمزيته الأممية، بل في كونه ينقل الهيموفيليا واضطرابات النزيف من خانة الأمراض النادرة التي تُعالج غالباً في الهامش، إلى خانة قضايا الصحة العمومية والإنصاف في الولوج إلى العلاج، بما يشمل التشخيص المبكر، والعلاج الوقائي، والعلاج المنزلي، والأدوية الأساسية، وسلاسل التزويد، والدعم النفسي والاجتماعي للمرضى وأسرهم.
وتكشف وثيقة منظمة الصحة العالمية حجم الفجوة العالمية في هذا الملف، إذ تشير إلى أن 34 في المائة فقط من العدد المتوقع للمصابين بالهيموفيليا يتم التعرف عليهم عالمياً، في حين يظل أكثر من 70 في المائة من هذه الفئة في وضعية ولوج غير كاف أو منعدم للعلاج، رغم التطور الكبير الذي عرفته العلاجات خلال السنوات الأخيرة.
بالنسبة للمغرب، يحمل هذا القرار معنى مزدوجاً، فمن جهة، يعكس حضور المملكة في مسار دولي مرتبط بما يمكن تسميته بالدبلوماسية الصحية، ومن جهة أخرى يفتح سؤالاً داخلياً حول قدرة المنظومة الصحية الوطنية على تحويل هذا الالتزام الدولي إلى أثر ملموس داخل المستشفيات ومراكز العلاج.
المعطيات الرسمية المغربية السابقة تشير إلى أن البلاد تتوفر على 17 مركزاً متخصصاً في علاج الهيموفيليا، منها ستة مراكز مرجعية على مستوى المراكز الاستشفائية الجامعية، و11 مركزاً للقرب على مستوى مراكز جهوية وإقليمية، مع تقديرات تفيد بأن عدد المصابين بالهيموفيليا في المغرب يناهز ثلاثة آلاف شخص، تستقبل المراكز المتخصصة أزيد من ألف منهم.
غير أن الرهان الحقيقي لا يوجد في عدد المراكز وحده، بل في انتظام العلاج، وسرعة التشخيص، وتوفر الأدوية، وتخفيف الكلفة عن الأسر، وضمان مسار علاجي لا يترك المريض رهين الانتظار أو البعد الجغرافي أو ضعف الإمكانيات.
فالقرار الأممي، وإن كان لا يقدم حلولاً جاهزة ولا يفرض التزامات قانونية مباشرة، يضع الدول أمام مسؤولية سياسية وصحية واضحة: إدماج الهيموفيليا واضطرابات النزيف ضمن السياسات الصحية الوطنية، وتقوية التشخيص والتكفل، وتوسيع الولوج إلى علاج آمن وفعال وميسور.
وهنا يصبح السؤال المغربي بسيطاً وعميقاً في الوقت نفسه: هل يتحول حضور المغرب في هذا القرار الدولي إلى دفعة عملية داخل مراكز العلاج، أم يبقى مجرد اسم محترم في وثيقة أممية أنيقة؟
