بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر نفطي تتجه إليه عيون الأسواق كلما ارتفعت حرارة الشرق الأوسط، بل صار اليوم واحداً من مفاتيح الأمن الغذائي العالمي، بعدما كشفت اضطراباته أن الخبز الأوروبي قد يبدأ أحياناً من سفينة أسمدة عالقة في ممر بحري بعيد.
خلال الأيام الأخيرة، وجدت أوروبا نفسها أمام سؤال لم يكن مطروحاً بهذه الحدة قبل سنوات: ماذا لو تعطلت سلاسل توريد الأسمدة؟ وماذا لو تحولت التوترات في الشرق الأوسط من أزمة طاقة إلى أزمة زراعة وغذاء وأسعار داخل القارة العجوز؟
الجواب الأوروبي بدأ يأخذ شكلاً عملياً. فقد أفادت وكالة Reuters بأن الاتحاد الأوروبي قرر تعليق الرسوم الجمركية على بعض واردات الأسمدة النيتروجينية، من بينها اليوريا والأمونيا، لمدة سنة، في محاولة لتخفيف أثر اضطرابات مضيق هرمز وارتفاع الأسعار على الفلاحين الأوروبيين، مع استثناء روسيا وبيلاروسيا من هذا الإجراء.
الأمر لا يتوقف عند الرسوم الجمركية. فبروكسيل، وفق Reuters وFinancial Times، تدرس أيضاً فكرة إنشاء مخزون استراتيجي من الأسمدة، بعدما قفزت الأسعار وتصاعد الخوف من اضطرابات قد تضرب الإنتاج الفلاحي الأوروبي في العمق.
هنا بالضبط يتحول الخبر من شأن أوروبي داخلي إلى ملف مغربي بامتياز.
فحين تبدأ أوروبا في التفكير في الأسمدة كما تفكر في الغاز والمعادن والطاقة، يصبح المغرب، عبر الفوسفاط ومجموعة OCP، جزءاً من معادلة أكبر من التجارة العادية. نحن أمام انتقال واضح من سوق الأسمدة إلى جيوسياسة الأسمدة.
المغرب لا يدخل هذه المعادلة من الباب الصغير. فهو يملك واحداً من أكبر الاحتياطات العالمية من الفوسفاط الصخري، وتعد مجموعة OCP من أبرز الفاعلين العالميين في صناعة الأسمدة الفوسفاتية، في وقت تبحث فيه القوى الكبرى عن موردين يمكن الوثوق بهم بعيداً عن مناطق التوتر وسلاسل الإمداد الهشة.
وليس صدفة أن تكون الولايات المتحدة قد فتحت، في وقت سابق، نقاشات مع المغرب بشأن تأمين إمدادات الأسمدة، وسط ارتفاع الأسعار واضطراب السوق الدولية، في مؤشر إضافي على أن الأسمدة لم تعد مجرد مادة فلاحية، بل صارت جزءاً من الأمن الاقتصادي والاستراتيجي للدول.
كما أن OCP تمكنت، في أبريل 2026، من جمع 1.5 مليار دولار من الأسواق الدولية عبر إصدار سندات هجينة، في عملية عكست حجم الثقة المالية في المجموعة، رغم اضطرابات السوق وارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية الداخلة في صناعة الأسمدة.
لكن الصورة ليست وردية بالكامل.
فأزمة هرمز لا تجعل المغرب رابحاً آلياً فقط، بل تضعه أيضاً أمام اختبار حساس. فصناعة الأسمدة لا تعتمد على الفوسفاط وحده، بل تحتاج إلى مواد أخرى مثل الكبريت والأمونيا، وهي بدورها مرتبطة بسلاسل نقل وطاقة وأسواق عالمية مضطربة. لذلك فإن ارتفاع الطلب العالمي قد يمنح المغرب قوة تفاوضية جديدة، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليه تحصين إمداداته وتوسيع هامش استقلاله الصناعي.
وهذا ما يجعل خريبكة والجرف الأصفر وآسفي أكثر من مجرد أسماء في الخريطة الصناعية المغربية. إنها اليوم نقاط داخل خريطة الأمن الغذائي الدولي، حيث لم تعد الدول تسأل فقط عمن ينتج أكثر، بل عمن يستطيع أن يضمن الاستمرارية وقت الأزمات.
التحول الأوروبي يحمل رسالة واضحة: الغذاء لم يعد ملفاً فلاحياً فقط، بل أصبح ملف سيادة. والأسمدة لم تعد مجرد مدخل إنتاجي، بل صارت أداة استراتيجية، تماماً كما صار الغاز ورقة ضغط بعد الحرب الأوكرانية.
بالنسبة للمغرب، هذه اللحظة يمكن أن تكون فرصة استراتيجية نادرة. فبعد سنوات كان فيها شريكاً أمنياً لأوروبا في ملفات الهجرة ومحاربة الإرهاب، يجد نفسه اليوم مرشحاً ليصبح شريكاً في أمنها الغذائي والزراعي.
غير أن الفرصة تحتاج إلى قراءة سياسية واقتصادية باردة. فكلما ارتفعت قيمة الفوسفاط والأسمدة في العالم، ارتفعت أيضاً حساسية هذا القطاع، وتزايدت حوله ضغوط التجارة والبيئة والتمويل والضرائب الكربونية.
من هرمز إلى خريبكة، يبدو أن العالم يعيد رسم خرائط القوة من جديد. لم تعد القوة في من يملك النفط وحده، بل أيضاً في من يملك الغذاء، والماء، والمعادن، والأسمدة.
وفي قلب هذه الخريطة الجديدة، يظهر المغرب لا كمتفرج على الأزمة، بل كرقم صعب في معادلة الأمن الغذائي الأوروبي والعالمي.
