بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد أزمات الطاقة بعيدة عن جيوب المغاربة، ولا محصورة في نشرات الأخبار وأسعار النفط وحسابات الشركات الكبرى، فهذه المرة نزلت الموجة من السوق الدولية إلى مدارج المطارات، حيث وجدت الخطوط الملكية المغربية نفسها أمام قرار حساس، بعد تداول معطيات عن تعليق 12 خطاً جوياً مؤقتاً بسبب ارتفاع كلفة الكيروسين وتراجع الطلب على بعض الرحلات الدولية.
كشفت مصادر إعلامية، اليوم الأحد 24 ماي 2026، أن الخطوط الملكية المغربية علّقت رحلات نحو عدد من الوجهات الإفريقية والأوروبية، بينها خطوط من الدار البيضاء نحو كينشاسا وبرازافيل وياوندي وليبرفيل، ومن مراكش نحو ليون ومرسيليا وبوردو وبروكسل، ومن طنجة نحو مالقة وبرشلونة، على أن تتم مراجعة القرار حسب تطور أسعار الوقود وحجم الطلب.
في الظاهر، يبدو الأمر قراراً تجارياً مفهوماً داخل قطاع يعرف جيداً أن الوقود ليس تفصيلاً في دفتر الحسابات، بل واحد من أكبر عناصر الكلفة، لكن في العمق، الملف لا يقف عند حدود الكيروسين، فالأمر يتعلق بناقل وطني لا يتحرك كشركة خاصة عادية، بل كذراع جوية لصورة المغرب وربطه بالعالم، وخصوصاً بالسياحة والجالية وإفريقيا.
هنا تبدأ المفارقة التي تلسع أكثر من الكيروسين نفسه، ففي سنة 2020، تم الإعلان عن تعبئة دعم مالي لفائدة الخطوط الملكية المغربية في حدود 6 مليارات درهم، ضمن مواكبة المؤسسات والمقاولات العمومية المتضررة من تداعيات الأزمة الصحية، وهو رقم لا يمكن أن يمر في ذاكرة دافعي الضرائب كحاشية تقنية في دفتر قديم.
ثم جاء عقد البرنامج 2023-2037 بين الدولة ولارام، ليرفع سقف الطموح أكثر، إذ يتضمن تعزيز مساهمة الدولة في رأسمال الشركة، ومواكبة مخططها التنموي، والانتقال بأسطولها من 50 طائرة إلى 200 طائرة خلال 15 سنة، مع أهداف مرتبطة بالسياحة والجالية وفك العزلة عن بعض المناطق، وتقوية موقع مطار محمد الخامس كمنصة جوية إفريقية.
لذلك، حين تعلّق الشركة 12 خطاً بسبب كلفة الوقود، لا يعود السؤال تقنياً فقط، بل يصبح سياسياً أيضاً، أين ينتهي منطق الشركة، وأين تبدأ مسؤولية الناقل الوطني، وما معنى السند العمومي إذا لم يتحول، في لحظات الضغط، إلى حماية فعلية لحق المغاربة والجالية في ربط جوي مستقر ومعقول الكلفة.
لا يتعلق الأمر هنا باتهام جاهز، ولا بتبخيس لصعوبة الظرف، فشركات الطيران عبر العالم تتحرك تحت ضغط قاس، والرحلات الأقل طلباً تكون عادة أول من يدخل غرفة المراجعة، لكن لارام ليست مجرد شركة تبحث عن هامش ربح في دفتر محاسبة بارد، إنها ناقل وطني يحمل اسم المغرب، ويشتغل داخل رؤية عمومية واسعة، ويستفيد من موقع استراتيجي تمنحه الدولة باعتباره جزءاً من هندسة الربط الجوي للمملكة.
وهنا بالضبط يصبح النقاش أوسع من سعر البرميل، فحين تتحدث الدولة عن جعل المغرب منصة جوية وسياحية وإفريقية، وحين تراهن على مونديال 2030، وملايين السياح، ومغاربة العالم، لا يمكن أن يبقى المواطن وحده في مواجهة كل ارتفاع في الكلفة، لأن السماء ليست مجرد مجال تجاري، بل مرفق حيوي يربط الناس بعائلاتهم وأعمالهم وبلدهم.
الأزمة الحالية تكشف أن الطموح الكبير يحتاج إلى وسادات أمان كبيرة أيضاً، فلا يكفي أن نعلن عن توسيع الأسطول وفتح خطوط جديدة وربط القارات، ثم نترك أول عاصفة في أسعار الوقود تختبر جيب المسافر مباشرة، لأن التخطيط الحقيقي لا يظهر في أيام الرخاء، بل حين تضيق السماء ويصبح كل لتر كيروسين قراراً سياسياً متنقلاً.
اللافت أن المتضرر الأول من مثل هذه القرارات لا يكون دائماً السائح المترف، بل قد يكون طالباً، أو عاملاً من الجالية، أو أسرة تنتظر موعد سفر منذ أشهر، أو مدينة كانت تراهن على خط جوي لإنعاش اقتصادها المحلي، لذلك فإن تعليق الخطوط لا ينبغي أن يمر كخبر تقني صغير، بل كجرس يفتح النقاش حول شفافية الكلفة، وجودة التخطيط، وحدود تدخل الدولة لحماية الربط الجوي حين يشتد الضغط.
في حدود 6 مليارات درهم من السند العمومي، وعقد برنامج يمتد إلى 2037، وطموح للانتقال إلى 200 طائرة، كلها معطيات تجعل لارام في موقع مختلف عن أي شركة تجارية عادية، وهذا لا يعني مطالبتها بالطيران ضد قوانين السوق، بل بمصارحة الرأي العام حول الكلفة والاختيارات والبدائل، وكيف ستتم حماية المسافر حين تصير التذكرة الحلقة الأضعف في سلسلة الأزمات الدولية.
لارام اليوم لا تواجه الكيروسين فقط، بل تواجه سؤال الثقة، ثقة المسافر في استقرار الرحلات، وثقة الجالية في أن العودة إلى المغرب لن تتحول كل موسم إلى مغامرة في الأسعار، وثقة الرأي العام في أن الدعم العمومي أو السند الاستراتيجي لا يعني فقط توسيع الأسطول في العناوين الجميلة، بل حماية الحد الأدنى من الخدمة حين ترتفع حرارة السوق.
قد يكون القرار مؤقتاً، كما تفيد المعطيات المتداولة، لكن الرسالة أعمق من المؤقت، ففي زمن تتقاطع فيه الحرب والطاقة والسياحة والجالية، لم تعد تذكرة الطائرة ورقة سفر فقط، بل صارت مرآة صغيرة لعلاقة المواطن بالسياسات العمومية.
وحين تضيق السماء، لا يسأل الناس عن سعر الكيروسين وحده، بل يسألون أيضاً من يحمي حقهم في سفر معقول داخل بلد يقول إنه يفتح أجنحته للعالم.
