في كل قصة هروب، هناك لحظة تتحول فيها الفكرة إلى فعل، والخطة إلى مقامرة، والانتظار إلى قرار لا رجعة فيه.
وفي قصة الهروب الكبير من السجن المركزي بالقنيطرة، كانت ليلة 7 أبريل هي تلك اللحظة التي انتقلت فيها الرواية من الحفر الصامت تحت الأرض إلى الخروج الفعلي من قلب مؤسسة سجنية شديدة الحساسية.
حسب الرواية المنسوبة إلى عبد الهادي الذهبي، الملقب بأبي أنس، لم تكن تلك الليلة عادية داخل الزنازين، فقد اختير التوقيت بعناية، وجرى ترتيب الأجواء بطريقة لا تثير الشك، حتى بدا الأمر في ظاهره أقرب إلى ليلة عادية بين السجناء، بينما كان تحت السطح قرار كبير ينتظر لحظة التنفيذ.
المثير في هذه المرحلة ليس فقط أن الفارين كانوا على وشك مغادرة السجن، بل أن الساعات الأخيرة كشفت حجم التوتر الذي يسبق أي عملية من هذا النوع، خوف من الانكشاف، قلق من خطأ صغير، وانتظار ثقيل حتى تمر آخر لحظة مراقبة دون أن يقع ما ينسف كل شيء.
الرواية تتحدث عن أجواء حاولت إخفاء العدد الزائد داخل الزنزانتين، وعن مظاهر عادية استُعملت لتبديد الشكوك، وهي تفاصيل تطرح من جديد سؤالاً مزعجاً حول قدرة المراقبة اليومية داخل السجن على قراءة ما هو غير عادي وسط ما يبدو عادياً.
فليلة 7 أبريل لم تكن مجرد ليلة خروج، بل كانت امتحاناً كاملاً لمنظومة الحراسة، من عدّ السجناء، إلى مراقبة الزنازين، إلى الانتباه للتغيرات الصغيرة في السلوك والحركة والوجود داخل الفضاء المغلق.
الأخطر أن الرواية تقدم مشهداً شديد الرمزية، سجناء ينتظرون تحت سقف السجن لحظة الخروج، وحراس يواصلون عملهم وفق الروتين المعتاد، ونفق مفتوح تحت الأرض يختصر المسافة بين مؤسسة مغلقة وفضاء خارجي لا يعرف أحد ما سيقع فيه بعد دقائق.
في تلك اللحظة، لم يكن السؤال فقط كيف سيخرجون، بل ماذا لو انتبه أحد؟ ماذا لو فُتح الباب في الوقت الخطأ؟ ماذا لو انهار جزء من النفق؟ ماذا لو تحولت العملية إلى مواجهة داخل السجن؟.
لهذا تبدو ليلة 7 أبريل كأنها قلب الحكاية، لأنها جمعت بين الجرأة والخطر، وبين التخطيط والفوضى المحتملة، وبين ثقة الفارين في خطتهم وثغرات مؤسسة كان يفترض أنها لا تترك مثل هذا الهامش مفتوحاً.
وحين حانت ساعة التنفيذ، لم تعد القصة قابلة للتراجع، فالذين دخلوا تلك الليلة إلى النفق لم يكونوا يخرجون فقط من زنزانة، بل كانوا يفتحون واحداً من أكثر الملفات إحراجاً في تاريخ السجن المركزي بالقنيطرة.
هذه الليلة، بما حملته من صمت وترقب وتوتر، لا ينبغي أن تُقرأ كحكاية إثارة فقط، بل كجرس إنذار حول ما يمكن أن يحدث حين يتحول الروتين إلى عدو للمراقبة، وحين تفشل المؤسسة في رؤية الخطر وهو يكبر أمامها ببطء.
في النهاية، خرج تسعة سجناء من قلب السجن، لكن الذي خرج معهم أيضاً كان سؤال أكبر من النفق، كيف استطاعت خطة طويلة أن تصل إلى لحظة التنفيذ دون أن تسقط قبلها؟.
الحلقة المقبلة:
من الزنزانة إلى حديقة المدير… رواية خروج
صادمة من داخل السجن
