بقلم: الباز عبدالإله
أعلنت اليونسكو، يوم 27 ماي 2026، عن شراكة عالمية جديدة مع مؤسسة TUI Care Foundation، تروم دعم السياحة المستدامة في مواقع التراث العالمي، على أن تنطلق الأنشطة الأولى من المغرب وزنجبار، وفي الحالة المغربية من محيط قصر آيت بن حدو، الواقع بجماعة آيت زينب التابعة لإقليم ورزازات بجهة درعة تافيلالت، أحد أشهر المعالم التراثية المصنفة عالمياً.
الخبر، في ظاهره، يبدو إعلاناً ثقافياً وسياحياً عادياً، لكنه في عمقه يفتح سؤالاً مغربياً أوسع: كيف يمكن أن يتحول التراث من صورة جميلة في عيون العالم إلى منفعة ملموسة في حياة السكان؟.
فالمبادرة، كما تقدمها اليونسكو، لا تقف عند تسويق المكان باعتباره ديكوراً سياحياً أو مشهداً جاهزاً للكاميرا، بل تتحدث عن تشجيع الإقامات الأطول، ودعم الحرفيين المحليين، وتقوية فرص المقاولات السياحية، وخلق تجارب ثقافية جديدة مرتبطة بالتراث المحلي والتقاليد الحية.
وهنا تبدأ السياسة من حيث تنتهي البطاقة البريدية.
فقصر آيت بن حدو، القريب من مدينة ورزازات والممتد في المجال قبل الصحراوي جنوب المغرب، ليس مجرد جدران طينية تقاوم الزمن، ولا فضاءً سينمائياً مفتوحاً أمام عدسات الزوار، بل هو امتحان صغير لفكرة كبيرة: هل تستطيع السياحة المغربية أن تنتقل من منطق عدد الزوار إلى منطق أثر الزوار؟.
فالبلد الذي يراهن على السياحة كرافعة اقتصادية كبرى، ويستعد لمرحلة أكثر ازدحاماً في أفق التظاهرات الدولية المقبلة، لا يحتاج فقط إلى فنادق ممتلئة وصور جميلة على المنصات العالمية.
يحتاج أيضاً إلى نموذج يجيب عن سؤال بسيط وثقيل: ماذا يربح أهل المكان من شهرة المكان؟.
وتشير اليونسكو إلى أن المشروع سيشمل تكوين المرشدين المحليين والمقاولين، وإحداث مسارات ثقافية، واستعمال أدوات رقمية للحكي والتفسير، مع اهتمام خاص بالنساء والشباب.
وهذا الكلام يبدو جميلاً على الورق، لكنه سيصبح أكثر أهمية حين يلامس الواقع: حين يجد الشاب فرصة عمل محترمة، والحرفي منفذاً حقيقياً لبيع منتوجه، والمرأة موقعاً فعلياً في دورة الاقتصاد المحلي، لا مجرد حضور رمزي داخل فقرة أنيقة من تقرير دولي.
آيت بن حدو، المصنف ضمن التراث العالمي منذ سنة 1987، تقدمه اليونسكو باعتباره مثالاً بارزاً للعمارة الطينية التقليدية في جنوب المغرب، وموقعاً يعكس نمطاً من السكن الجماعي الدفاعي في المجال قبل الصحراوي بإقليم ورزازات.
لكن التصنيف العالمي، وحده، لا يحمي القرى من الهشاشة.
ولا يضمن أن تتحول الشهرة إلى تنمية.
ولا يكفي أن يكون المكان معروفاً لدى السياح، إذا ظل جزء من محيطه يعيش نفس الأسئلة القديمة حول الشغل، والدخل، والهجرة الصامتة من القرى.
هنا يكمن الامتحان الحقيقي.
أن يدخل موقع مغربي بهذا الثقل في شراكة دولية حول السياحة المستدامة أمر مهم، لكنه يضع السياسات العمومية، والفاعلين المحليين، والقطاع السياحي، أمام سؤال دقيق: هل نملك رؤية تجعل التراث مورداً لأهله، أم نتركه واجهة أنيقة يمر منها الزائر، ثم يعود السكان إلى نفس الانتظارات؟.
السياحة المستدامة ليست شعاراً أخضر يعلق على باب موقع تاريخي.
إنها عقد أخلاقي واقتصادي مع السكان الذين حافظوا على المكان، أو عاشوا بجانبه، أو دفعوا ثمن هشاشته حين كانت الكاميرات تبحث فقط عن الزاوية الأجمل.
لذلك، فإن إعلان اليونسكو وTUI ليس مجرد شراكة تقنية.
إنه مرآة صغيرة لملف كبير: كيف نحول التراث من صورة عالمية إلى عدالة محلية؟.
آيت بن حدو يستحق أن يظل جميلاً في عيون العالم.
لكن الأجمل أن يصبح نافعاً أيضاً لمن يعيشون في ظله.
