تنتقل مجلة “ملفات”، في تحقيقها الخاص المعنون بـ“حكومة اللوبيات.. 76 مليار درهم من الدعم العمومي في مهب الريح”، من الرقم الإجمالي للدعم إلى تفكيك السياق الذي جعل هذا الرقم ممكناً، بل ومعبّراً عن لحظة اقتصادية وسياسية شديدة الحساسية في المغرب.
فحسب ما نشرته المجلة، لم تكن سنة 2022 مجرد سنة جافة في الروزنامة المناخية، ولا محطة عابرة في سجل النمو البطيء للاقتصاد المغربي، بل شكلت منعطفاً كشف حدود النموذج الذي اعتمدته الحكومة في تدبير الأزمات، وأعاد إلى الواجهة سؤال العلاقة بين القرار العمومي ومراكز النفوذ داخل السوق.
تقول مجلة “ملفات” إن تلك السنة جمعت بين أكثر من ضغط في وقت واحد: جفاف حاد، تراجع كبير في الإنتاج الفلاحي، ارتفاع قياسي في كلفة الطاقة، واضطراب عالمي في سلاسل الإمداد، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية وما رافقها من ارتباك في أسواق الحبوب والمحروقات.
في الظاهر، كانت الحكومة أمام أزمة متعددة المصادر.
لكن في العمق، كما تقرأ المجلة، أظهرت الأزمة أن الدولة لا تواجه فقط ضغط المناخ والأسواق الدولية، بل تواجه أيضاً بنية داخلية تتحكم فيها مصالح قوية داخل قطاعات استراتيجية، من الحبوب إلى الأعلاف، ومن المحروقات إلى النقل.
تورد المجلة أن الموسم الفلاحي 2021-2022 عرف عجزاً مطرياً قارب 46 في المائة مقارنة بالمعدل المناخي المرجعي، وأن محصول الحبوب تراجع من 103 ملايين قنطار في الموسم السابق إلى حوالي 34 مليون قنطار فقط، أي بانخفاض يقارب 67 في المائة.
هذا الانخفاض لم يكن رقماً فلاحياً معزولاً، بل كان بداية سلسلة ضغط امتدت إلى الأعلاف، ثم إلى الإنتاج الحيواني، ثم إلى كلفة اللحوم والدواجن، قبل أن تصل في النهاية إلى المستهلك.
في الوقت نفسه، تزامنت الأزمة الداخلية مع ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، ومع عودة قوية لتأثير المحروقات على مختلف سلاسل الإنتاج والنقل والتوزيع.
وهنا تبرز إحدى النقاط المركزية في تحقيق مجلة “ملفات”: ارتفاع الأسعار لم يكن مجرد نتيجة آلية لعوامل دولية، بل مناسبة كشفت طبيعة التداخل بين تدبير الشأن العام والسيطرة على مفاصل السوق الطاقية.
تستعمل المجلة عبارة لافتة حين تتحدث عن “لوبي المال والسلطة” الذي يهيمن على مفاصل الدولة، معتبرة أن الأزمة أظهرت حجم الالتباس بين القرار السياسي والمصالح الاقتصادية داخل قطاعات مؤثرة.
وهذا التوصيف، بصرف النظر عن قوته، يضع النقاش في مستوى أعمق من سؤال الغلاء: من يملك القدرة على التأثير في القرار حين ترتفع الأسعار؟ ومن يستفيد من الدعم حين تتدخل الدولة؟ وهل تتحرك الحكومة كحَكَم فوق السوق، أم كطرف داخل شبكة مصالح معقدة؟.
في هذا السياق، تتوقف مجلة “ملفات” عند دعم مهنيي النقل، الذي أطلقته الحكومة منذ أبريل 2022، في سلسلة طويلة من الدفعات بلغت، حسب المجلة، نحو 15 دفعة إلى حدود بداية سنة 2024، بكلفة إجمالية قاربت 7.9 مليار درهم.
وتفصل المجلة هذا الرقم إلى ما يقارب 4.4 مليارات درهم خلال سنة 2022، ثم 2.5 مليار درهم خلال سنة 2023، وحوالي مليار درهم خلال الأشهر الأولى من سنة 2024.
غير أن أهمية هذا الدعم لا تكمن فقط في قيمته المالية، بل في السؤال الذي يرافقه: هل كان دعماً لتخفيف أثر المحروقات على أسعار السلع والخدمات، أم آلية لامتصاص ضغط اجتماعي ومهني دون معالجة أصل الخلل؟.
حسب قراءة مجلة “ملفات”، بدت الحكومة وكأنها اختارت معالجة الأزمة من حدودها المباشرة، عبر تحويلات مالية لمهنيي النقل، بدل بناء جواب بنيوي على إشكال أعمق يرتبط ببنية سوق المحروقات، وطبيعة المنافسة، وآليات المراقبة، وقدرة الدولة على ضبط انتقال الكلفة إلى الأسعار النهائية.
فالناقلون وجدوا أنفسهم أمام تكاليف تشغيل مرتفعة، والمستهلك واجه أسعاراً متزايدة، والحكومة حاولت احتواء الاحتقان عبر الدعم.
لكن السؤال الذي بقي معلقاً هو ما إذا كانت تلك المليارات قد نجحت فعلاً في منع انتقال كلفة المحروقات إلى المواطن، أم أنها ظلت تدور داخل حلقات مهنية واقتصادية دون أثر اجتماعي كافٍ.
وتزداد حساسية هذا السؤال حين تشير المجلة إلى موقع فيدرالية النقل واللوجستيك داخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب، باعتبارها واحدة من أكبر تجمعات شركات النقل، وإلى أن جزءاً أساسياً من الدعم مر عبر قطاع منظم وقوي التأثير، لا عبر آلية اجتماعية موجهة مباشرة إلى المستهلك.
هنا يصبح الدعم العمومي جزءاً من سؤال أكبر حول الحكامة.
فالمال العام حين يوجه إلى قطاع وسيط، لا يكفي أن يصل إلى المستفيد المهني.
ينبغي أن يكون أثره قابلاً للقياس في الأسعار، وفي كلفة النقل، وفي قدرة السوق على امتصاص الصدمة دون تحميل المواطن كامل العبء.
لكن ما تقترحه مجلة “ملفات” هو أن هذا الأثر بقي أقل وضوحاً من حجم الكلفة التي تحملتها الخزينة.
في المقابل، ظل قطاع المحروقات في قلب الجدل السياسي والاجتماعي، خصوصاً بسبب ما تعتبره المجلة تضارباً حاداً بين تدبير الشأن العام والسيطرة على مفاصل السوق الطاقية.
وتشير في هذا السياق إلى أن وجود فاعلين كبار في سوق المحروقات، بعضهم مرتبط بالفضاء السياسي والحزبي، جعل الحكومة تظهر في نظر جزء من الشارع كما لو أنها خصم وحَكَم في الوقت نفسه.
هذه ليست ملاحظة تقنية.
إنها مسألة ثقة.
فحين يختلط سؤال الأسعار بسؤال المصالح، وحين يصبح القرار العمومي محاطاً بظلال النفوذ الاقتصادي، تتراجع قدرة الحكومة على إقناع المواطنين بأن تدخلاتها محايدة وفعالة وموجهة حصراً للمصلحة العامة.
ولذلك، لم يكن ارتفاع أسعار المحروقات مجرد حدث اقتصادي.
لقد تحول إلى اختبار سياسي لقيمة الشفافية، وحدود المنافسة، وقدرة الدولة على ضبط القطاعات الحيوية حين تتقاطع فيها الحاجة الاجتماعية مع مصالح شركات كبرى.
وتقول مجلة “ملفات” إن الاحتقان الذي رافق هذه المرحلة أعاد إلى الواجهة نقاشاً كان حاضراً بقوة منذ حملة المقاطعة سنة 2018، حين ارتبط جزء كبير من الغضب الشعبي بأسعار المحروقات وبالشركات الفاعلة في هذا القطاع.
ومع كل موجة ارتفاع جديدة، كانت تعود الأسئلة نفسها: هل السوق تنافسية بما يكفي؟ هل هوامش الربح مضبوطة؟ هل التدخل الحكومي يوازن فعلاً بين مصالح الفاعلين الاقتصاديين وحقوق المستهلك؟.
الحلقة الثانية من هذا الملف تكشف إذن أن أزمة 2022 لم تكن فقط أزمة جفاف ومحروقات.
كانت لحظة فرز سياسي واقتصادي أظهرت هشاشة العلاقة بين الدولة والسوق، وبين الدعم العمومي والنتيجة الاجتماعية، وبين خطاب حماية القدرة الشرائية والواقع الذي عاشه المواطن داخل الأسواق ومحطات الوقود.
ولذلك فإن سؤال مجلة “ملفات” لا يقف عند: كم صرفت الحكومة؟.
بل يتجاوزه إلى سؤال أكثر عمقاً: هل كانت الحكومة تملك المسافة الكافية عن مصالح السوق حتى تدبر الأزمة باعتبارها سلطة عمومية محايدة؟.
في النهاية، لا تقاس قوة الدولة بحجم الدعم الذي ترصده فقط، بل بقدرتها على أن تجعل هذا الدعم يصل إلى غايته.
ولا تقاس فعالية الحكومة بعدد الدفعات التي تقدمها، بل بقدرتها على تحويل المال العمومي إلى أثر ملموس، شفاف، وعادل.
وحين يصبح الدعم كبيراً، والأسعار مرتفعة، والثقة ضعيفة، فإن المشكلة لا تعود في الكلفة وحدها، بل في بنية القرار نفسه.
نسخة فيسبوك قصيرة:
حسب ما نشرته مجلة “ملفات”، لم تكن سنة 2022 مجرد سنة جفاف وارتفاع أسعار، بل لحظة كشفت حدود تدبير الحكومة لعلاقة الدعم بالسوق.
المجلة تتحدث عن دعم لمهنيي النقل بلغ نحو 7.9 مليار درهم عبر حوالي 15 دفعة، في سياق ارتفعت فيه أسعار المحروقات وتراجع فيه الإنتاج الفلاحي وتعمقت كلفة الأعلاف والنقل.
لكن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: هل خفف هذا الدعم فعلاً من أثر الأزمة على الأسعار، أم أنه بقي داخل حلقات قطاعية قوية دون أثر اجتماعي كافٍ؟.
