بقلم: الباز عبدالإله
ليست الفلاحة في المغرب قطاعاً اقتصادياً فقط، بل هي امتحان سنوي للدولة، وللسوق، وللمواطن، وللحكومة التي تجد نفسها، في كل موسم، أمام اختبار السماء بقدر ما تجد نفسها أمام اختبار السياسات العمومية.
بعد سنوات قاسية من الجفاف، جاءت الأمطار هذا الموسم كأنها استراحة نادرة في بلد أنهكته ندرة الماء، وفتحت الباب أمام خطاب رسمي متفائل يتحدث عن انتعاش الموسم الفلاحي، وتحسن التساقطات، وتوقع محصول حبوب في حدود 90 مليون قنطار خلال الموسم الفلاحي 2025 ـ 2026.
وقد أوردت وكالة المغرب العربي للأنباء، عبر بوابة المغرب الرسمية، يوم 21 أبريل 2026، أن وزير الفلاحة تحدث عن تحسن ملموس في التساقطات المطرية والوضعية المائية، بعد سنوات متتالية من الجفاف.
لكن الطبيعة، كما يبدو، لا تمنح الحكومات شيكاً على بياض.
ففي ملخص جديد للمخاطر المناخية في إفريقيا، صادر عن المركز الأمريكي للتنبؤات المناخية التابع لـNOAA، ضمن Global Weather Hazards Summary، للفترة الممتدة من 28 ماي إلى 3 يونيو 2026، ورد أن درجات حرارة أعلى بكثير من المعدلات ستؤدي إلى حرارة غير عادية في المغرب والصحراء المغربية ومناطق أخرى من غرب إفريقيا خلال الأسبوع المقبل.
هنا تبدأ المفارقة. فالمطر أنعش الحقول، نعم، لكنه لا يلغي أن الموسم الفلاحي لا يُقاس فقط بما سقط من السماء، بل بما تملكه الدولة من قدرة على تدبير الماء، وحماية الإنتاج، وتقوية الفلاح الصغير، وتحصين السوق من كل موجة مناخية قد تتحول بسرعة إلى موجة أسعار.
الفرح بالمطر مفهوم، أما تحويله إلى انتصار سياسي دائم، فذلك يحتاج كثيراً من التواضع أمام ميزان الحرارة.
يعرف المغرب جيداً أن الفلاحة حين تتحسن، يتحسن معها النمو، وتهدأ معها بعض جيوب القلق الاجتماعي، وتتنفس الأسواق قليلاً. غير أن هذا التحسن يبقى هشاً إذا ظل معلقاً بين موسم مطير وآخر جاف، وبين حرارة مفاجئة وسلاسل إنتاج لا تزال شديدة الحساسية للمناخ.
الحرارة غير العادية لا تعني بالضرورة كارثة فلاحية فورية، لكنها تعني أن النموذج الفلاحي المغربي ما زال يعيش تحت اختبار دائم: اختبار الماء، واختبار التخزين، واختبار الكلفة، واختبار العدالة بين فلاح كبير يملك الآبار والتقنيات، وفلاح صغير ينتظر الغيم ويحسب الخسارة بالهكتار وبالديون.
وهنا لا يكفي أن نقول إن الموسم جيد. السؤال الأعمق هو: هل أصبح المغرب أقل هشاشة أمام المناخ، أم فقط أكثر حظاً هذا العام مع المطر؟
السياسة العمومية لا تُقاس في البلاغات التي تحتفل بالحصيلة، بل في قدرة البلد على الصمود حين تتغير الخريطة الجوية في أسبوع واحد.
فإذا كانت الأمطار قد رفعت التوقعات، فإن موجات الحرارة تفرض نقاشاً آخر حول الزراعة المقاومة، وتوجيه الدعم، وتدبير الفرشة المائية، وحماية الزراعات الأساسية، وتخفيض كلفة الإنتاج، ومراقبة الوسطاء حين يتحول كل اضطراب مناخي إلى فرصة جديدة للرفع من الأسعار.
المواطن لا يقرأ التقارير المناخية كما يقرأها الخبراء. هو يقرأها في ثمن الخضر، وفي كيس الدقيق، وفي لتر الزيت، وفي فاتورة الماء، وفي دخل فلاح صغير يعرف أن السماء قد تنقذه شهراً وتخذله عاماً كاملاً.
لذلك، لا تبدو الحرارة المرتقبة مجرد خبر طقس عابر، بل رسالة سياسية باردة في لباس ساخن. رسالة تقول إن الفلاحة لا تُدار بالارتياح المؤقت، ولا بالتصريحات الوردية، ولا بانتظار موسم مطير يرمم ما أفسدته سنوات الجفاف.
المطر قد ينقذ الحقول، لكن الدولة وحدها، بسياسات واضحة وعادلة وصلبة، تستطيع أن تنقذ الفلاحة من أن تبقى رهينة السماء.
