عاد فوسفات بوكراع إلى واجهة النقاش الدولي، بعدما نشر موقع Western Sahara Resource Watch، اليوم 29 ماي 2026، تقريراً جديداً حول صادرات سنة 2025، ضمن تقريره السنوي المعروف باسم “P for Plunder”.
غير أن أول ما ينبغي تثبيته، قبل أي قراءة أو تأويل، هو أن الأمر لا يتعلق بوثيقة أممية، ولا بتقرير حكومي، ولا بمرجع قانوني محايد، بل بتقرير صادر عن منظمة ناشطة معروفة بموقفها المناوئ للمغرب في ملف الصحراء المغربية.
فالتقرير، وهو يحاول تقديم فوسفات بوكراع كعنوان ضغط على المغرب، يكشف من حيث لا يريد حقيقة أخرى أكثر عمقاً، فهذا المنتوج لم يخرج من السوق، ولم يفقد قيمته، ولم يتحول إلى عبء اقتصادي، بل ظل حاضراً داخل مسارات تجارية دولية دقيقة، في قطاع لا تتحكم فيه الشعارات وحدها، بل الحاجة، والجودة، واستقرار التزويد، وحسابات السوق.
حسب المعطيات التي أوردها التقرير نفسه، غادرت خلال سنة 2025 نحو 36 سفينة محملة بحوالي 2.02 مليون طن من صخور الفوسفاط، بقيمة تقديرية تناهز 376.5 مليون دولار.
هذه الأرقام، قبل أي استعمال سياسي، تقول شيئاً واضحاً، فوسفات بوكراع حاضر، والصحراء المغربية ليست هامشاً معزولاً كما يحاول خصوم الوحدة الترابية تصويرها، بل جزء من دورة اقتصادية وطنية ودولية، تتحرك فيها الموانئ، وسلاسل التوريد، والأسواق، والرهانات الاستراتيجية.
يحاول التقرير أن يجعل من تقلص عدد المشترين عنواناً للضغط، بعدما أشار إلى أن ثلاث شركات فقط استوردت فوسفات بوكراع خلال سنة 2025، غير أن القراءة المتأنية تكشف مفارقة لافتة، فعدد الفاعلين التجاريين قد يضيق، لكن حجم الشحنات يرتفع، والقيمة المالية تبقى وازنة، والمنتوج يواصل طريقه نحو أسواق كبرى مثل الهند والمكسيك ونيوزيلندا، بما يجعل الأمر أكثر من مجرد رقم في جدول تجاري، بل مؤشراً سياسياً واقتصادياً في آن واحد.
في التجارة الدولية، لا يكفي الضجيج الحقوقي ولا الحملات الموجهة لإسقاط منتوج استراتيجي إذا كانت الأسواق تحتاجه، فالشركات لا تشتري المجاملات، ولا تبني قراراتها على العناوين وحدها، بل تتحرك وفق منطق العرض، والطلب، والقدرة على الوفاء بالالتزامات، واستقرار المسارات التجارية، وهنا يتضح الفارق بين خطاب الخصوم وواقع الاقتصاد.
الصحراء المغربية، كما يبرزها هذا الملف، ليست فقط قضية سيادة وموقف وطني ثابت، بل امتداد تنموي واستراتيجي داخل المشروع المغربي الحديث، إنها مجال يرتبط بالبنية التحتية، والاستثمار، والربط الأطلسي، والتحولات الاقتصادية الكبرى التي جعلت الأقاليم الجنوبية أكثر حضوراً في خرائط المستقبل، لا مجرد عنوان في سجال سياسي قديم.
المغرب لا يحتاج إلى النزول إلى قاموس منظمة اختارت موقعها سلفاً، ولا إلى مطاردة كل تقرير بنفس الانفعال، بل يحتاج إلى فرض سرديته بثقة، عبر الأرقام، والإنجازات، والوضوح المؤسساتي، وإبراز التحول الذي عرفته الأقاليم الجنوبية خلال السنوات الأخيرة، من فضاء كان يُقدَّم في أدبيات الخصوم كمنطقة نزاع جامدة، إلى واجهة تنموية واقتصادية مفتوحة على إفريقيا والأطلسي والعالم.
وحين يتحدث تقرير مناوئ عن فوسفات بوكراع، فالأهم ليس لغته السياسية، بل ما تكشفه أرقامه رغم خلفيته، منتوج يتحرك، وصادرات قائمة، وأسواق تستورد، وقيمة مالية معتبرة، وهذه كلها مؤشرات تقول إن الصحراء المغربية ليست خارج الاقتصاد، بل في قلبه.
نعم، السمعة أصبحت جزءاً من قيمة أي منتوج في الأسواق العالمية، وهذا يفرض على المغرب جهداً تواصلياً أكثر دقة واحترافاً، لكن السمعة لا تُترك للخصوم كي يصنعوها وحدهم، بل تُبنى حين تكون الدولة حاضرة بروايتها، وحين تشرح للعالم أن تنمية الأقاليم الجنوبية ليست استثناءً، بل امتداد طبيعي لسيادة وطنية ومشروع تنموي متواصل.
هنا ينبغي أن ينتقل النقاش من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، فالمغرب لا يحتاج إلى الاعتذار عن تنمية صحرائه، ولا إلى تبرير ارتباط أقاليمه الجنوبية باقتصاده الوطني، بل يحتاج فقط إلى خطاب اقتصادي أكثر وضوحاً، يشرح للداخل والخارج أن فوسفات بوكراع ليس ملفاً معلقاً في فراغ سياسي، بل جزء من منظومة وطنية داخل دولة تمارس سيادتها، وتستثمر في مجالها، وتربط مواردها بمسار تنموي أوسع.
الخصوم يريدون تحويل الفوسفاط إلى تهمة، أما القراءة المغربية الهادئة فتضعه في مكانه الطبيعي، مورداً اقتصادياً داخل تراب وطني، ورافعة ضمن مسار استراتيجي جعل الأقاليم الجنوبية جزءاً من الرؤية الأطلسية للمغرب، لا هامشاً معزولاً في خريطة الآخرين.
لذلك، لا ينبغي قراءة تقرير WSRW كإحراج للمغرب، بل كتنبيه جديد إلى أهمية امتلاك الرواية، فحين يتحدث الآخرون عن الصحراء المغربية بلغة الاتهام، يجب أن يرد المغرب بلغة الإنجاز، وحين يشتغل الخصوم على قاموس السمعة، يجب أن يشتغل المغرب على قاموس التنمية، والاستثمار، والاندماج الاقتصادي، والسيادة الهادئة الواثقة.
الفرق كبير بين من يكتب تقريراً من بعيد، ومن يبني على الأرض، والصحراء المغربية لم تعد مجرد عنوان في نزاع طويل، بل مجالاً يتحرك، وينتج، ويجذب، ويرتبط بمستقبل اقتصادي أوسع، ومن هنا، فإن فوسفات بوكراع ليس نقطة ضعف في الرواية المغربية، بل اختبار لقدرة المغرب على تحويل الأرقام إلى قوة ناعمة، وتحويل التنمية إلى حجة، وتحويل السيادة إلى خطاب اقتصادي مفهوم في العالم.
في النهاية، ليست المشكلة في أن يصدر تقرير من جهة منحازة ضد المغرب، فهذا جزء من معركة قديمة ومتوقعة، لكن المشكلة الحقيقية ستكون أن نترك هذه الجهات تتحدث وحدها، وتملأ الفراغ بأرقامها وتأويلاتها وقواميسها الثقيلة.
أما المغرب، فله ما يقوله، له الصحراء المغربية كقضية وطنية ثابتة، وله التنمية كواقع يتقدم، وله الاقتصاد كحجة صلبة، وله فوسفات بوكراع كعنوان على أن الأقاليم الجنوبية ليست ظلاً على هامش الخريطة، بل جزء حي من الحاضر والمستقبل.
وله، قبل كل شيء، رواية يجب أن تُقال بثقة أكبر، ليس دفاعاً مرتبكاً أمام تقرير منحاز، بل خطاب دولة تعرف أرضها، وتعرف مواردها، وتعرف أن الصحراء المغربية لا تحتاج إلى شهادة من خصومها كي تثبت قيمتها.
