في الحلقة الرابعة من قصة الهروب الكبير، تنتقل الرواية من مرحلة التخطيط والحفر والانتظار، إلى اللحظة التي صار فيها النفق ممراً نحو الخارج، لا نحو الخلاص فقط، بل نحو واحد من أكثر الأسئلة إحراجاً في تاريخ السجن المركزي بالقنيطرة.
حسب الرواية المنسوبة إلى عبد الهادي الذهبي، الملقب بأبي أنس، فإن لحظة الخروج لم تكن سهلة ولا مضمونة، لأن الفارين لم يكونوا يعرفون بدقة ماذا ينتظرهم بعد نهاية النفق، ولا طبيعة المكان الذي سيجدون أنفسهم فيه، ولا ما إذا كانت الحديقة مراقبة أو محروسة أو مزودة بكاميرات أو كلاب حراسة.
المشهد، كما تقدمه الرواية، كان شديد الحساسية، خروج فرد بعد آخر، خوف من الاختناق، ترقب لأي صوت، ومحاولة لتفادي الارتباك في لحظة كان يمكن لأي خطأ صغير فيها أن يحوّل الهروب إلى كارثة داخل السجن.
لكن المفاجأة الكبرى أن الممر انتهى بهم إلى حديقة فيلا مدير السجن، وهي تفصيلة وحدها كافية لجعل الواقعة أكثر صدمة، لأن الهروب لم يتم من زاوية هامشية بعيدة عن أعين الإدارة، بل من مسار قاد، حسب الرواية، إلى فضاء يفترض أنه داخل دائرة حساسة من محيط المؤسسة السجنية.
هنا تصبح القصة أكبر من مجرد نفق، لأنها تطرح سؤالاً حول بنية المراقبة داخل السجن وحوله، وحول كيف يمكن لمجموعة من السجناء أن تنتقل من زنزانة مغلقة إلى حديقة تابعة لمحيط إداري حساس دون أن يتحرك إنذار، أو يشتبه أحد، أو تلتقط المنظومة ما كان يجري تحت الأرض.
الرواية تشير إلى أن الفارين وجدوا أنفسهم وسط أضواء قوية وخوف مضاعف، ثم حاولوا الابتعاد عن النقطة الأولى بهدوء شديد، قبل أن يواجهوا عائقاً جديداً هو الحائط المرتفع المحيط بالمكان، وما يمثله من حاجز أخير بين السجن والعالم الخارجي.
هذه اللحظة تحمل مفارقة ثقيلة، فالسجن الذي صُمم لمنع الخروج، انتهت حدوده، في تلك الليلة، عند حائط حاول الفارون تجاوزه في صمت، بينما ظل السؤال معلقاً، أين كانت أعين الحراسة في تلك اللحظات؟.
حسب الرواية نفسها، لم يكن الخوف من الحراس وحدهم، بل من مساكن قريبة، ومن نوافذ كان يمكن لأي شخص أن يطل منها، ومن نباح كلاب كان قد يوقظ المكان كله، لكن شيئاً من ذلك لم يتحول إلى إنذار كاف لإيقاف العملية في وقتها.
وهنا يبرز المعنى الأمني الحقيقي للحلقة، لأن أخطر ما في هذه الواقعة ليس فقط أن الفارين وصلوا إلى الخارج، بل أنهم مروا، حسب روايتهم، من منطقة كان يفترض أن تكون شديدة الحساسية، دون أن يتم اكتشافهم في اللحظة الحاسمة.
لا ينبغي قراءة هذا المشهد بمنطق الإثارة فقط، بل بمنطق المساءلة، لأن كل خطوة خارج الزنزانة كانت تكشف أن الخلل لم يكن في نقطة واحدة، بل في سلسلة من الحلقات التي تراكمت حتى سمحت للنفق بأن يصبح طريقاً مفتوحاً نحو الخارج.
من الزنزانة إلى حديقة المدير، لم تكن المسافة مجرد أمتار تحت الأرض، بل كانت مسافة بين مؤسسة تعتقد أنها تراقب، وواقع كشف أن الخطر قد يتحرك في صمت طويل قبل أن ينفجر في لحظة واحدة.
وفي نهاية هذه الحلقة، لم يعد السؤال كيف خرجوا فقط، بل كيف وصلوا إلى تلك النقطة أصلاً، وكيف لم يتحول أي مؤشر سابق إلى إنذار حقيقي قبل أن يجد السجن نفسه أمام واحدة من أكثر الوقائع إحراجاً في تاريخه.
الحلقة المقبلة:
بعد الفرار… مطاردة طويلة ووجوه منشورة في الجرائد
