أعادت الكتابة المحلية لحزب العدالة والتنمية ببني مكادة النقاش حول أخلاقيات العمل السياسي إلى الواجهة، بعد إصدار بلاغ تضامني مع المستشارة فاطمة بلحسن، على خلفية تصريحات منسوبة إلى المستشار بمقاطعة بني مكادة جمال العوامي، اعتبرها البلاغ مسيئة وغير مسؤولة، وتمس بجوهر الاحترام الواجب داخل المؤسسات المنتخبة.
البلاغ لم يقف عند حدود التضامن الحزبي التقليدي، بل منح الواقعة بعدها السياسي والأخلاقي، حين ربطها بمستوى الخطاب داخل الفضاء العمومي، وبالطريقة التي يمكن أن يتحول بها الخلاف السياسي من نقاش في الأفكار والاختيارات إلى تبخيس للأشخاص، ومس بكرامة الفاعلات داخل المجال العام.
وحسب مضمون البلاغ، فإن ما صدر في حق فاطمة بلحسن لا يمكن اعتباره مجرد انزلاق لفظي عابر، بعدما سجلت الكتابة المحلية أن مثل هذه التصريحات تكررت في أكثر من مناسبة، معتبرة أن استمرارها يطرح إشكالاً حقيقياً حول حدود المسؤولية السياسية، وحول المعنى العملي للاحترام داخل مؤسسة يفترض فيها أن تكون فضاءً للنقاش، لا منصة للتجريح.
النقطة الأكثر حساسية في البلاغ تتعلق بما اعتبره اختزالاً لدور المرأة في البقاء داخل البيت. هنا تستمد الواقعة حساسيتها، لأن خطاب “البقاء داخل البيت” لا يختزل امرأة واحدة فقط، بل يعيد إلى الواجهة سؤال الوصاية داخل العمل السياسي، ويضع صورة المرأة المنتخبة أمام امتحان رمزي قاس.
لذلك، لم تعد القضية مرتبطة فقط بمستشارة جماعية تعرضت لتصريحات مثيرة للجدل، بل صارت تفتح سؤالاً أوسع حول موقع المرأة في السياسة المحلية، وحول قدرة المجالس المنتخبة على إنتاج خطاب يحترم النساء باعتبارهن شريكات في القرار، لا أصواتاً مطالبة دائماً بتبرير حضورها في المجال العام.
فالمرأة المنتخبة لا تدخل المؤسسة من باب المجاملة، ولا تحضر في المجالس باعتبارها رقماً لتزيين المشهد، بل تصل إليها عبر مسار سياسي وانتخابي، وتتحمل مسؤولية أمام المواطنات والمواطنين، وتملك الحق نفسه في الكلام، والمساءلة، والاقتراح، والاختلاف.
وأي خطاب يسعى إلى حصرها في صورة نمطية جاهزة لا يسيء إلى امرأة بعينها فقط، بل يضيق أفق السياسة نفسها، ويعيد النقاش العمومي إلى مناطق كان يفترض أن تكون الديمقراطية المحلية قد تجاوزتها منذ زمن.
في هذا السياق، أعلن بلاغ الكتابة المحلية تضامنه الكامل مع فاطمة بلحسن، مؤكداً الانخراط في كل الخطوات التي قد تقدم عليها من أجل رد الاعتبار، ومشدداً على أن الكرامة لا تتجزأ، وأن احترام المرأة لا تحدده موقعها العائلي أو الاجتماعي، بل يحدده حقها الكامل في المواطنة والمشاركة والحضور.
سياسياً، تكشف هذه الواقعة أن أزمة المجالس المنتخبة لا تكمن فقط في ضعف التدبير أو محدودية البرامج، بل أيضاً في اللغة التي يصنع بها المنتخبون خلافاتهم. فالخطاب حين يفقد رصانته، لا يجرح الأشخاص وحدهم، بل يضعف صورة المؤسسة، ويعمق المسافة بين المواطن والسياسة.
بني مكادة اليوم أمام امتحان صغير في حجمه، عميق في دلالته. امتحان يطرح سؤالاً بسيطاً ومقلقاً في الآن نفسه: هل ما زالت السياسة قادرة على الاختلاف بأدب، أم أن بعض ساحاتها تحولت إلى فضاء يختلط فيه النقاش بالتنقيص، والموقف بالتجريح، والمعارضة بالإساءة.
البلاغ، بما حمله من لغة تضامنية وانتقادية، يضع الجميع أمام مسؤولية واضحة: لا معنى لتمثيلية سياسية لا تحترم كرامة المختلفين، ولا قيمة لمؤسسات منتخبة تتحول فيها المرأة من فاعلة في النقاش إلى موضوع للتبخيس.
لا تنتصر السياسة حين ترفع صوتها على امرأة منتخبة، بل تنتصر حين ترفع مستوى خطابها أمام المواطنين. أما حين تصبح الكرامة موضوع بلاغ، فذلك يعني أن الخلل لم يعد في الجملة وحدها، بل في المناخ الذي سمح لها بأن تقال.
