لا تتكلم المناجم دائماً بصوت الحفر، ولا بضجيج الشاحنات، ولا بغبار الطرق الجبلية.
أحياناً، تتكلم بصمت الأرقام.
في وثيقة مالية أودعتها شركة Aya Gold & Silver ضمن إفصاح منشور على منصة SEC EDGAR الأمريكية، تبرز معطيات تفتح نقاشاً هادئاً حول الثروة المعدنية، والضرائب، والإتاوات، ونصيب المجال المحلي من الموارد التي تخرج من باطن الأرض.
الأمر يتعلق بتقرير سنوي للشفافية في قطاع الاستخراج، يحمل عنوان Extractive Sector Transparency Measures Act – Annual Report، ويغطي الفترة الممتدة من فاتح يناير إلى 31 دجنبر 2025، بالعملة الكندية.
حسب جدول المدفوعات حسب المشروع، بلغت المدفوعات المصرح بها المرتبطة بمشروع Zgounder Millenium Silver Mining S.A، المعروف بمنجم زكوندر للفضة في المغرب، حوالي 2.27 مليون دولار كندي، موزعة بين ضرائب وإتاوات ورسوم.
وفي جدول المدفوعات حسب المستفيدين، تظهر جهات مغربية ضمن خانات التقرير، من بينها المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن ONHYM، والمديرية العامة للضرائب، وجماعة أسكاون القروية، ووزارة الداخلية.
وتعرض الوثيقة مبالغ مصرحاً بها لفائدة هذه الجهات، من بينها 1.74 مليون دولار كندي كإتاوات لفائدة ONHYM، و120 ألف دولار كندي لفائدة المديرية العامة للضرائب، و340 ألف دولار كندي لفائدة جماعة أسكاون، إضافة إلى 140 ألف دولار كندي كرسوم لفائدة وزارة الداخلية.
كما توضح الوثيقة أن المدفوعات التي تمت داخل المغرب أُنجزت بالدرهم المغربي، قبل تحويلها إلى الدولار الكندي وفق متوسط صرف سنوي بلغ 6.6821 درهم لكل دولار كندي.
وتبقى قراءة هذه الأرقام مرتبطة بطريقة عرضها داخل التقرير، لأن الوثيقة تفصل بين جدول المدفوعات حسب المشروع وجدول المدفوعات حسب المستفيدين، وهو ما يفرض التعامل معها كما وردت في سياقها المحاسبي، بعيداً عن أي استنتاجات متسرعة أو أحكام جاهزة.
هنا تبدأ السياسة، لا الفضيحة.
فالموضوع لا يتعلق باتهام شركة أو جهة عمومية، ولا يسمح بأي خلاصات قطعية، بل يفتح سؤالاً أعمق حول علاقة الثروة المعدنية بالشفافية، وحول الطريقة التي تصل بها الأرقام إلى الرأي العام، أحياناً عبر وثائق مالية منشورة خارج المغرب قبل أن تتحول داخلياً إلى نقاش عمومي واضح.
في حدود ما يظهر من البحث في المعطيات العلنية المتاحة، لا تبدو تفاصيل هذه المدفوعات المرتبطة بزكوندر لسنة 2025 قد طُرحت مغربياً، بالصيغة نفسها، التي تجمع بين أرقام المدفوعات، والجهات المستفيدة، وسؤال الأثر المحلي على جماعة أسكاون.
هذه الملاحظة لا تعني غياب المعطيات داخل المغرب، ولا تقدم حكماً على طريقة تدبيرها، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن جعل الأرقام المرتبطة بالموارد الطبيعية أكثر قرباً من المواطن، وأكثر وضوحاً أمام الجماعات الترابية والساكنة المعنية مباشرة بالنشاط المعدني؟.
المفارقة الهادئة أن جهات مغربية تظهر داخل الوثيقة كمستفيدين من مدفوعات مرتبطة بالنشاط المعدني، بينما تأتي تفاصيل هذه الأرقام من إفصاح شركة أجنبية خاضعة لقواعد الشفافية في بلد آخر.
ومن هنا لا يبقى النقاش محصوراً في رقم مالي، بل ينتقل إلى سؤال أوسع حول الشفافية المحلية، وحول قدرة المؤسسات والجماعات الترابية على شرح أثر هذه الموارد داخل المجال الذي يحتضن النشاط المعدني.
منجم زكوندر ليس مشروعاً عابراً في هامش الخريطة.
يقع المنجم قرب جماعة أسكاون القروية، بإقليم تارودانت في جهة سوس ماسة، داخل مجال جبلي بعيد نسبياً عن مركز القرار الإعلامي والسياسي.
وهذا الموقع لا يمنح الملف بعداً جغرافياً فقط، بل يمنحه أيضاً بعداً اجتماعياً وتنموياً.
فحين يتحرك نشاط معدني بهذا الحجم داخل مجال قروي وجبلي، يصبح السؤال الطبيعي هو: ماذا ترى الساكنة القريبة من المنجم في حياتها اليومية؟.
هل تتحول أرقام الفضة إلى طرق أفضل؟.
هل تنعكس على خدمات محلية أو فرص شغل واضحة؟.
هل تترك أثراً اجتماعياً وتنموياً قابلاً للقياس؟.
أم أن حضور الثروة في الوثائق المالية يظل أوضح من حضورها في التجربة اليومية للناس؟.
الوثيقة لا تقدم جواباً نهائياً عن مدى استفادة الساكنة.
ولا تقول كيف تُصرف المبالغ التي تصل إلى الجماعة أو إلى المؤسسات العمومية.
لكنها تضع أمام النقاش العمومي رقماً دالاً، حين تشير إلى مدفوعات لفائدة جماعة أسكاون بقيمة 340 ألف دولار كندي، أي ما يعادل تقريباً 2.27 مليون درهم وفق متوسط الصرف المعتمد في التقرير.
هذا الرقم، في حد ذاته، لا يكفي للحكم.
قد يكون مهماً بالنسبة لجماعة قروية.
وقد يبدو محدوداً إذا قورن بحجم النشاط المعدني والإنتاج السنوي.
لكن قيمته السياسية لا توجد في الرقم وحده، بل في السؤال الذي يفتحه: كيف تتحول الموارد القادمة من نشاط معدني إلى أثر محلي ملموس، وكيف تظهر في الميزانيات، والطرق، والماء، والخدمات، والشغل، والبرامج الاجتماعية؟.
شركة Aya Gold & Silver تقدم نفسها كشركة كندية للمعادن النفيسة، مرتكزة على المغرب، وتنشط في سلسلة التعدين من الاستكشاف إلى الإنتاج.
كما تقدم الشركة منجم زكوندر على موقعها الرسمي باعتباره منجماً عاملاً للفضة في المغرب، مملوكاً لها بنسبة 100 في المائة، ويجمع بين الاستغلال السطحي وتحت الأرض.
وفي نتائجها السنوية لسنة 2025، أعلنت الشركة أن زكوندر أنتج حوالي 4.83 ملايين أونصة من الفضة خلال السنة، بعد توسع مهم في عمليات الاستخراج والمعالجة.
هنا تظهر المفارقة بكل هدوئها.
الأرقام الكبرى تظهر في لغة المستثمرين والبورصات.
والتفاصيل المحلية تظهر في خانات صغيرة داخل وثيقة شفافية.
أما النقاش العمومي داخل المغرب، فيحتاج إلى أن ينتقل من الحديث العام عن المعادن إلى لغة أدق: كم تنتج المناجم، كم تؤدي، من يستفيد، وكيف يظهر ذلك في حياة الناس؟.
فالمنجم ليس رقماً في بورصة فقط.
ولا مجرد أصل معدني داخل تقرير سنوي.
إنه نشاط فوق أرض لها سكان، وجماعة، وحاجيات، وانتظارات، ومطالب تنموية يومية.
لذلك، لا يكفي أن تسافر أرقام الفضة إلى المستثمرين بلغة مالية واضحة، بينما يبقى أثرها المحلي موضوعاً يحتاج إلى مزيد من التوضيح العمومي.
في زمن تتحدث فيه الدولة عن الاستثمار، وعن الجاذبية الاقتصادية، وعن تثمين الموارد الطبيعية، تبدو الشفافية المحلية جزءاً من قيمة الاستثمار نفسه.
فالمواطن معني بأن يعرف.
والجماعة الترابية معنية بأن تشرح.
والنقاش العمومي معني بأن ينتقل من الإنشاء العام حول المعادن إلى لغة الأرقام، والضرائب، والإتاوات، والأثر المحلي.
الفضة هنا لا تلمع فقط في السوق.
إنها تلمع أيضاً كسؤال سياسي هادئ: هل نملك من الوضوح ما يكفي كي يعرف المغاربة كيف تتحرك الموارد المعدنية، وكيف يتحول جزء من قيمتها إلى أثر مرئي في حياة الساكنة القريبة من المناجم؟.
المصدر: تقرير Extractive Sector Transparency Measures Act – Annual Report لسنة 2025، المودع ضمن إفصاح شركة Aya Gold & Silver على منصة SEC EDGAR الأمريكية، إضافة إلى المعطيات المنشورة على الموقع الرسمي للشركة حول منجم زكوندر ونتائج سنة 2025.
