بقلم: الباز عبدالإله
لا تحتاج الشمس المغربية إلى شهادة حسن سلوك من أحد. فوق هذه الأرض، يكفي أن ترفع رأسك نحو السماء لتفهم لماذا أصبح المغرب، في جزء من الإعلام الطاقي الدولي، واحداً من الأسماء الصاعدة في خريطة الطاقات المتجددة.
غير أن السياسة لا تُقرأ من الألواح الشمسية وحدها، ولا من سرعة الرياح، ولا من حجم الاستثمارات المعلنة فقط، بل تُقرأ أيضاً من الفاتورة التي تصل إلى البيوت، ومن الفحم الذي ما زال حاضراً في إنتاج الكهرباء، ومن السؤال الاجتماعي الذي يرافق كل انتقال طاقي كبير: كيف يمكن أن يتحول هذا المسار إلى مكسب واضح للمواطن، كما هو مكسب جذاب للاستثمار؟.
في مقال منشور اليوم، السبت 30 ماي 2026، على منصة OilPrice.com، تحت عنوان “Morocco Is Emerging as a Renewable Energy Superpower”، قُدّم المغرب باعتباره قوة صاعدة في مجال الطاقة المتجددة، بعدما راكم قدرات تقارب 5.5 جيغاواط، مع هدف معلن يتمثل في بلوغ 52 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة من مصادر متجددة في أفق 2030.
وهي أرقام تمنح المغرب صورة دولية جذابة، باعتباره بلداً يملك الشمس، والرياح، والموقع الجغرافي، والقرب من أوروبا، وطموحاً واضحاً في الهيدروجين الأخضر، ومشاريع بمليارات الدولارات تجعله مرشحاً لحضور قوي داخل خرائط الطاقة الجديدة التي يعاد رسمها عالمياً تحت ضغط الأمن الطاقي والتحول المناخي.
غير أن قوة الصورة الخارجية لا تكفي وحدها لفهم حقيقة المشهد. فبلوغ نسب مرتفعة في القدرة الكهربائية المركبة من مصادر متجددة لا يعني بالضرورة أن الإنتاج الفعلي للكهرباء خرج بالكامل من قبضة المصادر التقليدية، ولا يعني أن المواطن بدأ يلمس أثر هذا التحول مباشرة في الفاتورة أو في كلفة العيش.
هنا تظهر المفارقة المغربية بوضوح، فالمغرب الذي يقدَّم اليوم كقوة متجددة صاعدة، ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على الفحم في إنتاج الكهرباء، إذ تشير معطيات Powering Past Coal Alliance إلى أن الفحم مثّل 59.3 في المائة من مزيج الكهرباء سنة 2024، بينما تؤكد شراكة الطاقة المغربية الألمانية أن الفحم ما زال يستحوذ على حوالي 60 في المائة من الإنتاج الكهربائي.
هذه المفارقة لا تقلل من أهمية ما تحقق في مجال الطاقات المتجددة، لكنها تضعه في سياقه الحقيقي. فالاستثمار في الشمس والرياح ليس مشكلة في حد ذاته، بل هو خيار استراتيجي ضروري لبلد يستورد جزءاً مهماً من حاجياته الطاقية، ويتأثر بتقلبات الأسعار الدولية، ويبحث عن موقع داخل اقتصاد عالمي يتجه تدريجياً نحو الطاقة النظيفة.
لكن التحول الطاقي يفقد جزءاً من أثره الاجتماعي حين يتحول إلى صورة خارجية براقة، بينما يبقى النقاش الداخلي محدوداً حول الكلفة، والعقود، والتمويل، وآليات الاستفادة، وانعكاس هذه المشاريع على المواطن والمجالات المحلية.
فما قيمة أن ينجح المغرب في إقناع العالم بأنه قوة خضراء صاعدة، إذا ظل المواطن مقتنعاً بأن الفاتورة لا تعرف إلا اتجاهاً واحداً هو الارتفاع؟ وما قيمة الحديث عن الهيدروجين الأخضر ومشاريع التصدير الكبرى، إذا لم يواكبه نقاش عمومي واضح حول كيفية تدبير العقارات والوعاءات المخصصة لهذه المشاريع، وطبيعة التمويل، وشروط الشراء، وحجم العائد الوطني، وأثر ذلك كله على الكلفة النهائية للطاقة؟.
المغرب لا ينطلق من فراغ، هناك بنية طاقية تتطور، ومؤسسات تشتغل، وشراكات دولية قائمة، وموقع استراتيجي لا تتوفر عليه كل الدول، إضافة إلى قدرة واضحة على جذب اهتمام المستثمرين في قطاعات الطاقة النظيفة والبنيات المرتبطة بها.
لكن السؤال السياسي لا يتعلق بوجود المشروع، بل بطبيعته ونتائجه: هل نحن أمام انتقال طاقي وطني يجعل المغرب أقل تبعية وأكثر قدرة على التحكم في قراره الاقتصادي، أم أمام سوق طاقية جديدة تُفتح أمام كبار المستثمرين باسم البيئة والمناخ والمستقبل؟.
الفرق بين الأمرين كبير، الأول يبني سيادة طاقية حقيقية، ويحوّل الشمس والرياح إلى رافعة اقتصادية واجتماعية داخلية. أما الثاني، فقد يصنع واجهة دولية جميلة، دون أن يشعر المواطن بالضرورة بأن هذا التحول يخفف عنه عبئاً أو يمنحه نصيباً واضحاً من ثماره.
وفي بلد يعيش تحت ضغط الأسعار، تصبح الطاقة أكثر من ملف تقني، لأنها سؤال أمن اقتصادي، وسؤال استقلال في القرار، وسؤال عدالة في توزيع ثمار الاستثمار، وسؤال شفافية في تدبير مشاريع ضخمة قد تحدد جزءاً من مستقبل البلاد لعقود مقبلة.
الطاقة النظيفة لا تكون نظيفة فقط لأنها تأتي من الشمس والرياح، بل تكون كذلك حين تكون عقودها واضحة، وكلفتها مفهومة، ومردودها الاجتماعي قابلاً للقياس، وحين يعرف المواطن ماذا سيربح منها، لا فقط ماذا سيقال عنها في تقارير الخارج.
ولهذا يحتاج التحول الطاقي في المغرب إلى أكثر من مشاريع كبرى وصور لامعة، يحتاج إلى حكامة واضحة، وإلى نقاش عمومي صريح حول الربح والكلفة، وإلى ربط الاستثمار الطاقي بأثر ملموس على الاقتصاد الوطني والقدرة الشرائية، حتى لا تتحول السيادة الطاقية إلى شعار كبير يمر فوق رؤوس الناس، بينما تبقى الفواتير تنزل على موائدهم بثقل لا يحتاج إلى تقرير دولي كي يُفهم.
المغرب يملك فرصة حقيقية، قد يصبح منصة كبرى للطاقة النظيفة في إفريقيا والمتوسط، وقد يتحول إلى مزود مهم لأوروبا في زمن تبحث فيه القارة العجوز عن بدائل آمنة ومنخفضة الكربون.
لكن هذه الفرصة تحتاج إلى ما هو أكثر من الشمس، تحتاج إلى شفافية، وعدالة في توزيع المنافع، وربط واضح بين صورة المغرب كقوة خضراء في الخارج وحياة المغاربة في الداخل.
فأن يربح المغرب رهان القوة الخضراء أمر مهم. لكن الأهم أن لا يبقى الداخل يدفع ثمن التحول بلون الفحم.
