بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد لائحة المنتخب المغربي في مونديال 2026 مجرد ورقة تقنية تهم أسماء اللاعبين ومراكزهم داخل المستطيل الأخضر.
لقد تحولت، بحكم تركيبتها ودلالاتها، إلى وثيقة رمزية تكشف جانباً من التحول العميق في علاقة المغرب بجاليته، وتطرح سؤالاً يتجاوز كرة القدم إلى قلب السياسات العمومية: لماذا ينجح مشروع المنتخب في استقطاب أبناء المغرب في الخارج، بينما تتعثر الإدارة في تحويل كفاءات مغاربة العالم إلى قوة منظمة داخل أوراش التنمية؟
الرقم الذي توقفت عنده قراءة تحليلية منشورة بمركز COMPAS التابع لجامعة أكسفورد ليس تفصيلاً عابراً: 19 لاعباً من أصل 26 في لائحة المنتخب المغربي وُلدوا خارج المملكة.
في ظاهره، يبدو الرقم معطى كروياً مرتبطاً باختيارات المدرب ومسارات اللاعبين.
لكنه، في عمقه، يكشف أن المغرب، حين يريد، يستطيع أن يبني جسراً فعالاً مع أبنائه خارج الحدود، وأن يحول الانتماء من شعور عائلي خاص إلى قوة مؤسساتية قابلة للقياس.
فالمنتخب المغربي لم يعد يُبنى فقط داخل المجال الترابي للمملكة، بل داخل شبكة واسعة من العائلات المغربية في أوروبا، ومن الذاكرة العائلية، والأحياء المهاجرة، ومراكز التكوين، والأكاديميات، والاختيارات الفردية التي تنتهي، في لحظة معينة، إلى قميص واحد وراية واحدة.
هذه ليست حكاية رياضية خالصة.
إنها صورة مكثفة لمغرب ممتد خارج خرائطه، حاضر في أبناء الجالية، وفي مسارات تكوينهم، وفي قدرتهم على حمل انتماء متعدد دون أن يتحول ذلك إلى تناقض.
فحين يختار لاعب وُلد في فرنسا أو إسبانيا أو بلجيكا أو هولندا أن يمثل المغرب، فهو لا يلغي البلد الذي نشأ فيه، ولا يمحو المدرسة الكروية التي صقلت موهبته، ولا يعلن قطيعة مع أوروبا.
إنه يعبر عن معنى جديد للانتماء، لا يقوم على الاختيار بين ضفتين، بل على القدرة على الجمع بينهما داخل مسار واحد.
ومن هنا تبدأ قوة النموذج المغربي في كرة القدم.
فاللاعب لا يختار المغرب اليوم لأنه ينتمي إليه وجدانياً فقط.
يختاره أيضاً لأنه يرى مشروعاً كروياً واضحاً، ومنتخباً قادراً على المنافسة، وبنيات تتطور، ونتائج تمنح لهذا الاختيار معنى رياضياً ومؤسساتياً في آن واحد.
في المنتخب، لا يُخاطَب ابن الجالية باعتباره عاطفة مؤجلة أو رقماً في الذاكرة الوطنية.
يُخاطَب باعتباره كفاءة، ومساراً، وقيمة مضافة، وجزءاً من مشروع واضح.
هناك رصد مبكر، وتواصل، وإقناع، وثقة، وهدف، ومكان داخل فريق يريد أن ينافس لا أن يكتفي بالرمز.
أما خارج الملعب، فكثيراً ما تبدو الصورة أقل إقناعاً.
الجالية التي تظهر في المنتخب كقوة استراتيجية، تتحول في ملفات أخرى إلى رقم في تحويلات مالية، أو حضور موسمي في الصيف، أو موضوع إداري ينتظر دوره بين القنصليات والمواعيد والطوابير.
هنا تتضح المفارقة.
فالكرة، بكل بساطتها الظاهرة، نجحت في ما تتعثر فيه أحياناً سياسات عمومية كثيرة: بناء علاقة عملية مع الجالية تقوم على الثقة، والوضوح، والاعتراف بالكفاءة، لا على الخطاب الموسمي وحده.
ومن هذه الزاوية، يصبح الجدل الذي أثارته تصريحات وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، حول عودة مغاربة العالم إلى بلدهم أكثر من حادثة تواصلية عابرة.
حين قيل إن العودة إلى الوطن أمر طبيعي وليست هدية للدولة، وحين تم تداول العبارة الدارجة التي أثارت غضباً وامتعاضاً وسط جزء من مغاربة العالم، لم يكن النقاش حول جملة فقط، بل حول طريقة كاملة في مخاطبة الجالية.
قد يوضح المسؤول، وقد يعتذر لمن شعر بالإساءة، وقد يقال إن الكلام أُخرج من سياقه.
لكن الأثر الذي تركته العبارة كشف شيئاً أعمق: كفاءات الخارج لا تبحث عن امتنان فارغ، لكنها لا تقبل أيضاً أن تُخاطَب بلغة تُشعرها وكأن عودتها واجب بارد لا يحتاج إلى احترام أو هندسة أو شروط جدية.
في الملعب، لا يقول المنتخب للاعب المولود في أوروبا: عودتك ليست هدية.
يقول له: تعال، هناك مشروع يستحقك، ومكان ينتظرك، وثقة يمكن أن تبني بها مسارك.
وهنا بالضبط يظهر الفرق بين مؤسسة رياضية عرفت كيف تخاطب الكفاءة بمنطق المشروع، وإدارة ما زالت أحياناً تخاطب الجالية بمنطق الوعظ أو الاستدعاء عند الحاجة.
وليس الأمر هنا غياباً للرؤية على مستوى التوجيهات العليا للدولة.
فجلالة الملك محمد السادس سبق أن وضع ملف مغاربة العالم في قلب النقاش العمومي، حين نبّه في خطاب 20 غشت 2022 إلى ما يواجهه عدد من أفراد الجالية من عراقيل وصعوبات في قضاء أغراضهم الإدارية أو إطلاق مشاريعهم، داعياً إلى معالجة هذه الاختلالات.
وفي الخطاب نفسه، شدد جلالته على أن المغرب يحتاج إلى كل أبنائه، وإلى كفاءاته وخبراته المقيمة بالخارج، سواء عبر العودة والعمل داخل الوطن، أو عبر المساهمة من بلدان الإقامة.
ثم جاء خطاب 6 نونبر 2024 ليعمق هذا التوجه، من خلال الدعوة إلى إحداث المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج، وإسناد تدبير الآلية الوطنية لتعبئة كفاءات المغاربة المقيمين بالخارج إليها، بما يفتح المجال أمام الكفاءات والخبرات المغربية في الخارج، ويواكب أصحاب المبادرات والمشاريع.
بهذا المعنى، لا تبدو المشكلة في غياب التصور، بل في المسافة بين الرؤية الملكية التي تتحدث عن تعبئة الكفاءات وعلاقة مؤسساتية دائمة، وبين الممارسة الإدارية اليومية التي ما زالت، في حالات كثيرة، تتحرك بإيقاع أبطأ من طموح الجالية ومن حاجات البلد.
وهنا يصبح نموذج المنتخب أكثر إحراجاً.
فالكرة طبقت، بطريقتها، ما يفترض أن تفعله السياسات العمومية: رصد الكفاءات، مخاطبتها باحترام، فتح قنوات واضحة، تقديم مشروع مقنع، ثم تحويل الانتماء إلى مساهمة عملية.
أما الإدارة، فما زالت مطالبة بأن تلحق بهذا المنطق، حتى لا يبقى خطاب تعبئة الكفاءات أقوى من آليات تعبئتها.
إذا كان بإمكان المغرب أن يستقطب أبناءه في الخارج لتمثيله رياضياً بمنطق الثقة والوضوح، فلماذا لا يستعير المنطق نفسه في الصحة، والبحث العلمي، والاستثمار، والصناعة، والجامعة، والدبلوماسية الناعمة؟
كم من طبيب مغربي في الخارج يمكن أن يصبح جزءاً من ورش صحي وطني لو وُجدت له آليات واضحة للمساهمة.
وكم من مهندس وباحث ومقاول وخبير وفنان يمكن أن يتحول إلى رافعة حقيقية لو تعاملت معه السياسات العمومية بمنطق الشراكة لا بمنطق المناسبة.
وكم من كفاءة مغربية ما زالت تنتظر أن تسمع من المؤسسات خطاباً عملياً لا يكتفي بالاعتزاز، بل يفتح أبواب المشاركة، ويعترف بالخبرة، ويختصر المسافة بين الرغبة في خدمة البلد وتعقيدات الإدارة.
المنتخب، بهذا المعنى، ليس نشيداً للاحتفاء فقط.
إنه مرآة.
مرآة تقول إن الجالية ليست هامشاً خارج الوطن، بل جزء من بنيته الجديدة.
وتقول أيضاً إن النجاح في استدعاء أبناء المغرب إلى الملعب يمكن أن يلهم طريقة أوسع لاستدعائهم إلى مجالات المعرفة والاستثمار والتأثير الدولي.
غير أن هذا النجاح لا ينبغي أن يحجب سؤال التوازن.
فالانفتاح على أبناء الجالية في كرة القدم لا يجب أن يكون بديلاً عن الاستثمار في التكوين المحلي، ولا مبرراً لإضعاف العمل القاعدي داخل المغرب.
قوة النموذج المغربي تكمن في الجمع بين مسارين: تكوين داخلي يحتاج إلى استمرارية وعمق، وانفتاح خارجي ذكي على مواهب وكفاءات ترتبط بالمغرب وجدانياً وعائلياً ومؤسساتياً.
فالجالية لم تعد مجرد امتداد عاطفي للبلد.
لقد أصبحت، بحكم الزمن والهجرة والتعليم والتراكم المهني، جزءاً من رأسمال المغرب الرمزي والمعرفي والاقتصادي.
والدولة التي تريد استثمار هذا الرأسمال تحتاج إلى أكثر من خطاب تقديري.
تحتاج إلى قنوات واضحة، وإدارة أكثر إنصاتاً، وسياسات استقبال أكثر احتراماً، وآليات مشاركة تسمح للكفاءة بأن تجد مكانها داخل المشروع الوطني دون أن تصطدم بعوائق الغموض والبطء والوساطة.
لذلك، تحمل لائحة المنتخب المغربي في مونديال 2026 معنى يتجاوز أسماء اللاعبين والمباريات المقبلة.
إنها تطرح سؤالاً موجهاً إلى السياسة العمومية حول الطريقة التي يمكن بها تحويل الجالية من حضور رمزي وموسمي إلى قوة دائمة داخل مشروع وطني متجدد.
فإذا كان 19 لاعباً مولودين خارج المغرب قادرين على حمل القميص الوطني بثقة أمام العالم، فإن كفاءات كثيرة في الخارج ما زالت تنتظر أن تُعامل بالجدية نفسها خارج الملاعب.
الجالية لم تعد ضيفاً على الوطن، ولا رقماً عابراً في دفاتر التحويلات، بل صارت إحدى الرئات التي يمكن أن يتنفس بها المستقبل، إذا أحسنت المؤسسات الإنصات إليها، وفتحت أمامها أبواب المشاركة، وربطت الاعتزاز بها بسياسات عملية لا بخطاب موسمي.
والسؤال لم يعد كيف نجح المنتخب في إقناع أبنائه القادمين من الخارج بحمل القميص الوطني فقط.
السؤال الأهم هو متى تستعير الدولة نموذج المنتخب، قبل أن تصبح الجوازات الأجنبية، لا الكفاءات المغربية، هي العنوان الوحيد لحضور أبناء الوطن في ملاعب التنمية العالمية.
إنها دعوة إلى أن تنتقل علاقة الدولة بالجالية من الاستدعاء الظرفي إلى الشراكة الدائمة.
فالمغرب الذي عرف كيف يكسب أبناءه في المنتخب، يستطيع أن يكسبهم أيضاً في الاقتصاد والمعرفة والثقافة والتأثير الدولي، إذا اختار أن يخاطبهم بمنطق المشروع لا بمنطق المناسبة.
