بقلم: الباز عبدالإله
بحسب ما أوردته مصادر إعلامية، نُسب إلى فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، حديثه عن مجهود مالي مباشر يتم “امتصاصه بطرق بئيسة”، وذلك في سياق نقاش برلماني حول الغلاء، وخاصة ما يرتبط بعيد الأضحى.
هذه العبارة، إذا صحت في سياقها المنقول، ليست مجرد جملة غاضبة داخل لجنة برلمانية. إنها جملة تضع صاحبها قبل غيره في قلب السؤال.
فلقجع لا يتحدث هنا كفاعل حزبي يبحث عن زاوية انتخابية، ولا كمتفرج يعلّق من خارج الملعب، هو الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، أي مسؤول حكومي يحمل صفة مباشرة داخل تدبير الميزانية.
لذلك، حين يتحدث عن مجهود مالي يتم امتصاصه بطريقة بئيسة، لا يمكن أن يكتفي بدور من يصف العطب من بعيد.
هنا تبدأ المفارقة السياسية، أن يشتكي المواطن من الغلاء، فهذا مفهوم. أن تشتكي المعارضة من أثر الدعم، فهذا جزء من وظيفتها.
لكن أن يصدر الكلام من مسؤول حكومي مكلف بالميزانية، فالأمر يفتح باباً آخر حول ما إذا كنا أمام تشخيص من داخل القرار، أم أمام اعتراف بأن طريقة تتبع أثر الدعم تحتاج إلى شرح أكبر من مجرد عبارة غاضبة.
لقجع لم يتحدث، بحسب ما نُسب إليه، عن إحساس عام فقط. تحدث عن مجهود مالي مباشر، وعن امتصاص هذا المجهود بطريقة وصفها بالبئيسة. وهذه لغة لا ينبغي أن تمر بلا تتمة.
فإذا كان هناك امتصاص، فمن حق الرأي العام أن يعرف أين تتعطل النتيجة.
وإذا كان الأثر لا يظهر كما ينبغي في السوق، فمن حق الناس أن يعرفوا كيف يتم تتبع هذا الأثر، ومن يراقبه، ولماذا بقيت الأسعار قادرة على إحراج كل المجهودات المعلنة.
القضية لا تحتاج إلى اتهامات. تحتاج إلى وضوح. لأن الدعم، في النهاية، ليس شعاراً اجتماعياً ولا تمريناً في التواصل الحكومي. هو سياسة عمومية يجب أن تُقاس بنتائجها.
وحين تتحول النتيجة إلى موضوع غضب داخل الحكومة نفسها، يصبح السؤال مشروعاً حول ما يمنع تحويل الغضب إلى أرقام، والأرقام إلى مساءلة، والمساءلة إلى تصحيح.
عيد الأضحى، في المغرب، ليس موسماً عادياً، هو مرآة اجتماعية حادة، تكشف قدرة الأسر، وتكشف السوق، وتكشف أيضاً حدود التدخل العمومي حين يلامس الأسعار مباشرة.
لذلك فإن أي مجهود مالي يُقدَّم في هذا السياق لا يمكن أن يبقى محاطاً بلغة عامة. الأثر هو الحكم. والسوق، للأسف، لا يصفق للبلاغات.
المواطن لا يطلب من لقجع أن يعلّق على الامتصاص فقط. يطلب منه، بحكم موقعه، أن يساهم في كشف الطريق الذي يجعل مجهوداً مالياً مباشراً لا يتحول بالضرورة إلى نتيجة واضحة في الأسعار.
فالمشكلة ليست في قوة العبارة، بل في غياب الجواب الذي يليها.
حين يقول مسؤول مكلف بالميزانية إن مجهوداً مالياً يُمتص بطريقة بئيسة، فإن السؤال لا يتجه فقط إلى التجار أو الوسطاء أو السوق.
يتجه أيضاً إلى آليات التدبير والتتبع والتقييم. كيف صُمم الدعم، وكيف تُوبع، وكيف قيس أثره، ومن يشرح اليوم لماذا لم يكن الأثر في مستوى ما انتظره المواطن.
هذه هي الزاوية التي تجعل تصريح لقجع، كما نسبته إليه مصادر إعلامية، أكثر حساسية من مجرد خبر عن الغلاء.
لأنه يكشف مفارقة داخل الخطاب الحكومي نفسه: الحكومة تتحدث عن مجهود مالي، ثم يأتي مسؤول من قلب الميزانية ليقول إن هذا المجهود يُمتص بطريقة بئيسة. هنا لا يعود السؤال حول وجود الدعم، بل حول طريقة إدارة أثره.
قد يكون لقجع أراد التنبيه إلى اختلال في السوق، وقد يكون أراد الدفع نحو علاج حقيقي للملف. لكن التنبيه، حين يصدر من موقع المسؤولية، لا يكفي وحده.
فالمواطن لا يريد فقط من يقول له إن هناك خللاً يريد أن يعرف من يملك صلاحية تفكيك هذا الخلل، ومن سيقدم له جواباً واضحاً بدل أن يُترك بين أسعار مرتفعة وتصريحات قوية.
السياسة ليست أن نكتشف العطب متأخرين. السياسة أن نمنع العطب من أن يتحول إلى عادة.
والسياسة، أيضاً، أن لا يتحول المسؤول الحكومي إلى معلّق بارع على نتائج سياسة يوجد داخل دائرتها.
لذلك، فإن الجملة المنسوبة إلى لقجع تضعه أمام سؤال دقيق حول ما ستفعله الحكومة إذا كان امتصاص الدعم بئيساً، غير الاكتفاء بوصف البؤس.
