كشفت مصادر إعلامية أن موضوع التعبير الكتابي في امتحان اللغة الفرنسية للسنة الأولى بكالوريا، دورة يونيو 2026، أثار جدلاً واسعاً بعدما طُلب من المترشحين مناقشة الرأي القائل إن المرأة خُلقت للزواج والإنجاب فقط، مع تقديم الحجج الداعمة لموقفهم.
لم يكن الأمر مجرد سؤال عابر داخل ورقة امتحان، كان مرآة صغيرة كشفت ارتباكاً كبيراً داخل المدرسة المغربية، حين يجد التلميذ نفسه أمام فكرة ثقيلة اجتماعياً ورمزياً، ثم يُطلب منه أن يناقشها ويبرر موقفه.
قد يقول البعض إن الأمر مجرد تمرين بيداغوجي على الحجاج والتفكير النقدي، وهذا صحيح من حيث المبدأ. المدرسة مطالبة بتعليم التلميذ كيف يفكر، لا ماذا يردد. لكنها، في المقابل، مطالبة أيضاً بأن تعرف أن الامتحان الرسمي ليس دردشة مفتوحة، ولا مساحة محايدة تماماً يمكن أن تُرمى فيها الأفكار كما اتفق.
حين تضع الوزارة فكرة محملة بكل هذا الثقل داخل امتحان إشهادي، فهي لا تختبر فقط قدرة التلميذ على الكتابة بالفرنسية، بل تختبر أيضاً وعي المؤسسة التعليمية بالقيم التي يفترض أن تحرسها. وهنا بالضبط يبدأ الإشكال.
المشكلة ليست في مناقشة الصور النمطية، بل في طريقة طرحها. فالفكرة التي تختزل المرأة في الزواج والإنجاب ليست رأياً عادياً يحتاج فقط إلى حجج مع أو ضد، بل تصور اجتماعي حساس يفتح نقاشاً عميقاً حول المساواة والكرامة والمواطنة ومكانة المرأة داخل المجتمع.
كان ممكناً أن يُصاغ الموضوع بطريقة أذكى وأكثر وضوحاً، تدفع التلميذ إلى نقد الصور النمطية وتحليلها، لا أن تضعه أمام عبارة حادة قد تُفهم وكأنها رأي قابل للتبني والدفاع عنه داخل امتحان رسمي.
هنا لا نتحدث عن تدوينة فيسبوكية ولا عن نقاش عائلي في مقهى، نحن أمام امتحان جهوي صادر عن منظومة تربوية يفترض أنها تشتغل تحت سقف الدستور، والمساواة، والإنصاف، وتربية الناشئة على قيم المواطنة.
بل إن الإشكال يصبح أعمق حين نتذكر أن الفصل 19 من الدستور المغربي ينص على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كما يؤكد سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء.
لذلك فالموضوع لا يصطدم فقط بحساسية اجتماعية، بل يفتح سؤال الانسجام بين ما تقوله المدرسة داخل الامتحان، وما يقره الدستور داخل النص الأعلى للدولة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل بالغ المواطن في غضبه؟ بل: كيف مرّ هذا الموضوع أصلاً من آليات الإعداد والمراجعة والمصادقة؟
وزارة التربية الوطنية مطالبة اليوم بأكثر من توضيح إداري بارد، مطالبة بأن تقول للمغاربة كيف تُصنع مواضيع الامتحانات، ومن يراجعها، وما هي المعايير القيمية والدستورية التي تُعتمد قبل أن تصل إلى آلاف التلاميذ. لأن المدرسة التي تُعد الأجيال لا يمكن أن تتعامل مع القيم كتفصيل ثانوي في هامش ورقة الامتحان.
الاختباء خلف عبارة “تنمية التفكير النقدي” لا يكفي، فالتفكير النقدي لا يعني أن نضع أمام التلميذ فكرة تمييزية دون تأطير كاف، ثم ننتظر منه أن يخرج سالماً من فخ التأويل. التفكير النقدي يحتاج إلى ذكاء في الصياغة، ووضوح في الغاية، ومسؤولية في اختيار الأمثلة.
وحين يتحول الجدل إلى موضوع سؤال برلماني موجه إلى وزير التربية الوطنية محمد سعد برادة، فهذا يعني أن الأمر تجاوز حدود خطأ تقني في امتحان.
لقد صار سؤالاً سياسياً وتربوياً حول طبيعة المدرسة التي نريدها: مدرسة تكرس الصور الجاهزة، أم مدرسة تفككها؟
لا أحد يطلب من الوزارة أن تحول الامتحانات إلى خطب حقوقية، المطلوب فقط أن تنتبه إلى أن الكلمات في المدرسة ليست بريئة دائماً. فعبارة واحدة داخل امتحان قد تهدم سنوات من الخطاب الرسمي حول المناصفة والمساواة وتمكين النساء.
المرأة المغربية اليوم طبيبة، وأستاذة، وقاضية، ومهندسة، وفلاحة، وعاملة، وبرلمانية، ومقاولة، وأم أيضاً لمن اختارت الأمومة. قيمتها لا تختزل في وظيفة بيولوجية، ولا في صورة قديمة تعود كل مرة من نوافذ صغيرة، حتى داخل امتحان للغة الفرنسية.
الوزارة أمام امتحانها الحقيقي الآن. ليس امتحان اللغة، بل امتحان المسؤولية، فإما أن تعتبر ما وقع فرصة لمراجعة آليات إعداد الامتحانات، وتحصينها تربوياً وقيمياً ودستورياً، وإما أن تكتفي بتدبير الغضب كما تُدبَّر كل مرة عاصفة عابرة.
لكن المدرسة ليست عاصفة عابرة، المدرسة هي المكان الذي يتعلم فيه الطفل كيف يرى نفسه، وكيف يرى الآخر، وكيف يرى المرأة داخل المجتمع.
وحين ترتبك المدرسة في هذا الدور، فالمشكل لا يبقى في ورقة امتحان، بل ينتقل إلى سؤال أكبر: من يراقب القيم حين تجد الوزارة نفسها أمام امتحان الدستور والقيم؟
