بقلم: الباز عبدالإله
تختزل المفارقة التي تعيشها المكتبة الوسائطية الكبرى بمنطقة الزياتن في طنجة، المعروفة بمشروع «إقرأ»، أحد أبرز أعطاب تدبير بعض الاستثمارات العمومية، حين يحظى تشييد البناية بالأولوية، بينما يتأخر إعداد شروط تشغيلها وضمان استفادة المواطنين من خدماتها.
إنفاق قرابة 48 مليون درهم، ضمن برنامج «طنجة الكبرى»، على تشييد صرح ثقافي يمتد على مساحة تناهز 7500 متر مربع، ثم إبقاؤه موصد الأبواب لما يقارب عقداً من الزمن، وضع يتجاوز حدود التعثر التقني أو الارتباك الإداري العابر، ويطرح أسئلة جوهرية بشأن آليات الانتقال من مرحلة البناء إلى مرحلة التشغيل الفعلي.
كما يفتح هذا التناقض نقاشاً أوسع حول جدوى الاستثمار الثقافي حين يتوقف عند حدود الواجهات الإسمنتية والتجهيزات، من دون أن يتحول إلى خدمة عمومية تتيح للطلبة والباحثين وعموم المواطنين حقهم في الولوج إلى المعرفة والتكوين.
استمرار إغلاق هذه المعلمة الثقافية، في مدينة تشهد توسعاً سكانياً وجامعياً متسارعاً، لا يمثل فقط فرصة ضائعة أمام التنمية المحلية، بل قد يفضي أيضاً إلى استنزاف متواصل للموارد العمومية.
فالبنايات المغلقة عرضة للتقادم، وكل سنة تمر من دون تشغيل تثير أسئلة بشأن وضعية المرافق والمعدات الرقمية والسمعية البصرية، فضلاً عن مصاريف الحراسة والصيانة والإصلاح.
ويضع هذا التأخر المشروع أمام احتمال الوقوع في كلفة «الإنفاق المزدوج»، إذ قد تضطر الميزانية العامة مستقبلاً إلى رصد اعتمادات إضافية لإعادة تأهيل تجهيزات أو مرافق قد تكون تضررت بفعل طول مدة الإغلاق، حتى قبل أن يستقبل الفضاء أول مستفيد.
كما يثير ذلك تساؤلات بشأن مستوى التنسيق المسبق بين الجهات الممولة، والقطاعات المسؤولة عن التسيير، وتوفير الموارد البشرية، وضمان التدبير اليومي للمرفق.
لا يُقاس نجاح المشروع العمومي بحجم المنشأة أو بكلفة الأشغال المنجزة، ولا بلحظة الإعلان عن انتهاء البناء، بل بالأثر الفعلي والمستدام الذي يحققه في حياة المواطنين، وبقدرته على تقديم الخدمة التي أُحدث من أجلها.
وتقتضي معالجة هذا الملف بموضوعية القطع مع الوعود غير الملزمة والمواعيد المتأخرة، التي تستنزف الثقة العامة وتضعف مصداقية الالتزامات المؤسساتية.
فالرأي العام المحلي في طنجة لا يحتاج إلى مزيد من التبريرات الإدارية أو تبادل المسؤوليات بين المجالس المنتخبة والقطاعات الوزارية المعنية، بقدر ما يحتاج إلى معطيات دقيقة وخريطة طريق واضحة.
ويشمل ذلك تحديد الجهة المكلفة بإدارة المكتبة، والكشف عن وضعية تجهيزاتها، وتوفير الموارد البشرية واللوجيستية الضرورية لتشغيلها، مع توضيح المصاريف التي ترتبت عن سنوات الإغلاق، والإعلان عن جدول زمني رسمي وملزم لفتحها أمام العموم.
طنجة تحتاج إلى مكتبة تنبض بالقراءة والنقاش والتكوين وصناعة الوعي، لا إلى معلمة إسمنتية تظل خارج الخدمة. فالإنجاز الحقيقي لأي منشأة عمومية لا ينتهي بوضع آخر حجر في البناء، بل يبدأ عندما تُفتح أبوابها ويصل أثرها إلى المواطن.
