يدخل مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مرحلة سياسية ومهنية دقيقة، بعدما تجاوز النقاش حدود الاختلاف حول صياغة قانونية أو مقتضيات تنظيمية، ليتحول إلى أزمة ثقة مفتوحة بين جزء واسع من الجسم المهني والجهات التي تقود المسار التشريعي.
فقد قررت هيئة المحامين بالدار البيضاء، التي تعد أكبر هيئة للمحامين بالمغرب، الانخراط في الاعتصام المفتوح الذي دعت إليه جمعية هيئات المحامين بالمغرب أمام مقر البرلمان، ابتداء من يوم الإثنين 6 يوليوز 2026، احتجاجاً على مواصلة المسطرة التشريعية الخاصة بمشروع قانون 66.23، الذي تعتبره الهيئات المهنية مساساً باستقلالية المهنة وتراجعاً عن مكتسبات أساسية مرتبطة بضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة.
ولا تكمن أهمية هذا القرار في طابعه الاحتجاجي فقط، بل في رمزيته المهنية والمؤسساتية أيضاً.
فالتحاق هيئة الدار البيضاء بالاعتصام المفتوح يمنح التحرك زخماً إضافياً، بالنظر إلى وزنها داخل الخريطة المهنية للمحاماة، ويؤشر على أن الخلاف حول المشروع لم يعد قابلاً للاختزال في اعتراض ظرفي أو موقف نقابي محدود، بل أصبح تعبيراً عن قلق عميق داخل المهنة من اتجاه الإصلاح وحدوده وآثاره.
نقيب هيئة المحامين بالدار البيضاء، محمد حيسي، دعا المحاميات والمحامين إلى دعم الاعتصام المفتوح أمام البرلمان، معتبراً أن المهنة تمر بمرحلة بالغة الحساسية، ومستعملاً لغة قوية تعكس درجة الاحتقان داخل الجسم المهني.
فالحديث عن “معركة وجودية” و“آخر قلاع الحقوق والحريات” يكشف أن المحامين لا ينظرون إلى المشروع باعتباره مجرد نص تنظيمي، بل باعتباره لحظة فاصلة في تحديد موقع الدفاع داخل منظومة العدالة.
ويأتي هذا التصعيد في سياق واصلت فيه لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب دراسة المشروع في إطار القراءة الثانية، وسط احتجاجات مهنية متواصلة، وتوقف شامل عن تقديم الخدمات المهنية، وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية، وهي خطوات تعكس انتقال الخلاف من مستوى الترافع المؤسساتي إلى مستوى الضغط الاحتجاجي المنظم.
غير أن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بسؤال الجهة التي تملك سلطة التشريع.
فالبرلمان يملك دستورياً صلاحية سن القوانين، والحكومة تملك حق المبادرة التشريعية، لكن السؤال المطروح اليوم يتجاوز منطق الاختصاص الشكلي إلى سؤال أعمق: كيف يمكن تمرير قانون يمس مهنة مرتبطة عضوياً بحقوق المتقاضين، واستقلال الدفاع، وضمانات المحاكمة العادلة، في ظل رفض واسع من الهيئات المهنية المعنية به؟
جمعية هيئات المحامين بالمغرب حرصت، في مواقفها الأخيرة، على تأكيد أنها لا تسعى إلى مصادرة اختصاصات البرلمان أو التدخل في صلاحيات الحكومة، لكنها شددت في المقابل على حقها في الدفاع عن المبادئ الدستورية والديمقراطية التشاركية والمعايير الدولية ذات الصلة باستقلال مهنة المحاماة.
وهذا التمييز مهم، لأنه ينقل النقاش من زاوية الصراع بين مؤسسة تشريعية وهيئة مهنية إلى زاوية العلاقة بين التشريع وجودة الإنصات للمعنيين المباشرين به.
وفي هذا السياق، تبدو عبارة “أزمة الثقة” الأكثر قدرة على تلخيص اللحظة.
فالهيئات المهنية تقول إنها شاركت في الحوار، وقدمت ملاحظاتها ومقترحاتها، وتعاملت مع المسار على أساس وجود إرادة للتوافق، قبل أن تعتبر أن النص المعروض لم يعكس جوهر ما تم الترافع بشأنه.
وحين تصبح الثقة موضع سؤال، فإن الأغلبية العددية داخل اللجان البرلمانية لا تكفي وحدها لإغلاق الملف سياسياً ومهنياً.
دخول مجلس المنافسة على خط النقاش، من خلال رأيه المتعلق بوضعية المنافسة وشروط الولوج وممارسة مهنة المحاماة في ضوء مشروع القانون 66.23، أضاف بدوره بعداً جديداً للملف. فالرأي الاستشاري، رغم طبيعته غير الملزمة، جاء في لحظة متقدمة من المسطرة التشريعية، وفتح نقاشاً إضافياً حول التوازن بين تنظيم المهنة، وضمان استقلالها، وتدبير شروط الولوج إليها وممارستها.
لكن الرهان الأكبر يظل مرتبطاً بجوهر العدالة ذاتها، فالمحاماة ليست مجرد مهنة حرة ضمن باقي المهن، بل هي جزء من بنية المحاكمة العادلة.
وأي تعديل يمس موقع المحامي أو استقلاله أو شروط ممارسته ينعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على المواطن الذي يحتاج إلى دفاع قوي ومستقل في مواجهة تعقيدات الإدارة والقضاء والخصوم.
لهذا، فإن الاعتصام المفتوح أمام البرلمان لا يحمل فقط رسالة مهنية إلى المشرع، بل يطرح سؤالاً سياسياً أوسع حول طبيعة الإصلاح المطلوب في منظومة العدالة.
هل يتعلق الأمر بإصلاح يعزز الثقة ويقوي الضمانات، أم بإعادة ترتيب موقع المحاماة داخل المنظومة بشكل تعتبره الهيئات المهنية تراجعاً عن جوهر الدفاع؟
اليوم، توجد الحكومة والبرلمان أمام لحظة اختبار حقيقية. فالمضي في المسار التشريعي دون معالجة أسباب الاحتقان قد يمنح النص شرعية مسطرية، لكنه لن يمنحه بالضرورة قبولاً مهنياً واجتماعياً. وفي المقابل، فإن إعادة فتح قنوات الإنصات الجدي قد تحول الأزمة من مواجهة مفتوحة إلى فرصة لإنتاج قانون أكثر توازناً، يحفظ سلطة التشريع دون أن يضعف استقلال الدفاع.
أما البذلة السوداء، فقد اختارت هذه المرة أن تخرج من قاعات الجلسات إلى بوابة البرلمان، حاملة سؤالاً لا يعني المحامين وحدهم: هل نحن أمام إصلاح لمهنة الدفاع، أم أمام قانون سيعمق أزمة الثقة في العدالة؟
