حوّل عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، جلسة الأسئلة الشهرية الموجهة إلى رئيس الحكومة بمجلس النواب، أمس الاثنين، إلى مواجهة سياسية قوية مع حكومة عزيز أخنوش، بعدما اعتبر أن النقاش حول التعليم لا يمكن عزله عن ملفات القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار، وتدبير الدعم، وثقة المواطن في المؤسسات.
وقال بوانو في مداخلته إن الحكومة “خسرت الموضوع”، معتبراً أن العودة المتكررة إلى نفس المحاور، ومنها الدولة الاجتماعية والتعليم، لا ينبغي أن تحجب ملفات يعتبرها المواطن أكثر استعجالاً، وفي مقدمتها غلاء المعيشة، وتداعيات عيد الأضحى الأخير، وما رافقه من نقاش حول الأضاحي والأسعار والقدرة الشرائية.
وفي نبرة حادة، جدد بوانو المطالبة بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق في موضوع دعم استيراد الأغنام، معتبراً أن هذا الملف لم يعد مجرد نقاش موسمي، بل تحول إلى سؤال سياسي حول الشفافية، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
واستعمل بوانو مفردات التعليم للرد على الحكومة، قائلاً إن التلميذ مطالب بالتعلمات الأساسية، لكن الحكومة، حسب تعبيره، مطالبة أيضاً بتعلمات أخرى لا تقل أهمية، وهي الشفافية، وتكافؤ الفرص، والحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأضاف أن الحكومة تتحدث عن الهدر المدرسي، بينما ينشغل المغاربة، وفق تعبيره، بهدر المال العام، وهدر الفرص أمام الكفاءات، وهدر الثقة بين المواطن والمؤسسات، وهدر الأمل في الإصلاح.
وانتقد بوانو برنامج “مدارس الريادة”، مشيراً إلى أن الإشكال لا يرتبط فقط بالشعارات المرفوعة حول إصلاح المدرسة العمومية، بل بما اعتبره ضغطاً على الأساتذة من أجل منح نقط لا تعكس، بحسبه، مستوى التحصيل الحقيقي للتلاميذ، داعياً إلى التحقق الميداني من هذه المعطيات داخل المؤسسات التعليمية.
وفي المقابل، وجّه بوانو انتقادات قوية إلى الحكومة، معتبراً أنها تقدم، وفق تعبيره، نموذجاً مقلقاً في تضارب المصالح والجمع بين المال والسلطة وتكريس الامتيازات، ومؤكداً أن المشكل لا يقف عند تدبير قطاع معين، بل يمتد إلى نمط عام في التعيينات وتدبير المواقع والمسؤوليات.
وتوقف المتحدث عند ملف التعيينات في المناصب العليا، قائلاً إن الحكومة تقوم، حسب الأرقام التي قدمها، بتعيين معدل سبعة مسؤولين كل أسبوع، قبل أن يثير تساؤلات حول بعض التعيينات التي اعتبرها خارج منطق الكفاءة والمسار الإداري الطبيعي، مستشهداً بملف مديرية الخزينة والمالية الخارجية، وبما وصفه بتجاوز الترتيبات التي اقترحتها اللجان المختصة.
كما ربط بوانو بين النقاش حول الدعم التربوي والدعم الموجه لفئات أخرى، معتبراً أن الحكومة تتحدث عن معالجة تعثرات التلاميذ، لكنها، في المقابل، فتحت الباب، حسب رأيه، أمام استفادة فئات أوفر حظاً من برامج الدعم، في إشارة إلى ملفات الدعم والصفقات التي أثارت جدلاً سياسياً واجتماعياً خلال الأشهر الماضية.
ولم يبتعد رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية عن ملف الاحتجاجات الاجتماعية، إذ حمل الحكومة مسؤولية توسيع دائرة الاحتقان، قائلاً إن عدداً من القطاعات خرجت للاحتجاج في عهدها، وإن كلفة بعض الاختلالات نُقلت، في نهاية المطاف، إلى المواطن.
وفي سياق حديثه عن الإطعام المدرسي، قال بوانو إن الحكومة تتحدث عن إطعام التلاميذ، لكنه انتقد، وفق تعبيره، طريقة تدبير بعض الملفات المرتبطة بالدعم والصفقات، معتبراً أن المواطن لا يزال يبحث عن العيش الكريم وعن كلفة تمدرس معقولة.
كما تساءل بوانو عن مصير الآليات المؤسساتية لإصلاح التعليم، ومنها اللجنة الوطنية لتتبع ومواكبة الإصلاح واللجنة الدائمة للمناهج، معتبراً أن الحكومة لا تمنح التقييم ما يستحقه من اهتمام، وأنها تتعامل مع بعض الانتقادات والاحتجاجات بمنطق لا يعكس حجم الإشكالات المطروحة.
وعاد بوانو إلى ملف عيد الأضحى، داعياً رئيس الحكومة إلى تقديم توضيحات للمغاربة بشأن ما وقع، خاصة بعد الاجتماع الذي جمعه برؤساء الغرف والوزراء وعدد من المتدخلين، ومتسائلاً عن نتائج الإحصاء الذي أشرفت عليه وزارة الداخلية، وعن المسؤولية السياسية للحكومة في تدبير هذا الملف.
وفي محور آخر، انتقد بوانو ما وصفه بضعف الشفافية في بعض ملفات الدعم والصفقات، قائلاً إن الحديث عن محاربة الغش يجب أن يواكبه كشف واضح عن هوية المستفيدين من الصفقات، ومضيفاً أن كل ملف دعم، حسب تعبيره، أصبح يثير سؤال “من استفاد؟”.
كما أثار بوانو ملف الحبوب، متحدثاً عن وجود شحنات مستوردة في وقت يواجه فيه الفلاح المغربي، بحسب قوله، صعوبات في تسويق منتوجه بثمن مناسب، معتبراً أن هذه المفارقة تفتح النقاش حول تدبير السياسات الفلاحية والغذائية.
وختم بوانو مداخلته بتوجيه انتقادات سياسية مباشرة إلى رئيس الحكومة، مثيراً تساؤلات حول طريقة تدبير بعض الملفات والعلاقات داخل الأغلبية، وهي معطيات تبقى، بطبيعتها، في حاجة إلى توضيحات من الأطراف المعنية.
وعكست مداخلة بوانو انتقال النقاش البرلماني من سؤال التعليم والهدر المدرسي إلى سؤال أوسع يتعلق بالحكامة، والدعم، والصفقات، والتعيينات، والقدرة الشرائية. فقد بدا واضحاً أن المعارضة تحاول تحويل ملف المدرسة العمومية إلى مرآة سياسية كاشفة لطريقة تدبير الحكومة لباقي الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
وبين خطاب حكومي يقدّم أرقاماً عن رفع ميزانية التعليم وتراجع الهدر المدرسي، وخطاب معارض يربط المدرسة بسؤال الثقة والشفافية، تبدو جلسة الثامن من يونيو لحظة جديدة في مواجهة سياسية عنوانها العريض: هل يكفي الحديث عن الإصلاح حين يشعر جزء من المواطنين بأن كلفة الاختلالات تُرحّل إليهم في المعيشة، وفي المدرسة، وفي السوق، وفي الثقة العامة؟.
