بقلم: الباز عبدالإله
لم يكتف أحمد التويزي، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، بالدفاع عن حصيلة الحكومة وتبرير استقطاب المنتخبين، بل فتح خلال برنامج «للحديث بقية» على القناة الأولى ملفاً أكثر خطورة، عندما اتهم جزءاً من الصحافة بأنها «مشرية»، مؤكداً أن حزبه يعرف توجهاتها ويعرف أيضاً «شكون اللي كيعطي».
الاتهام صدر عن قيادي في حزب مشارك في الحكومة، ورئيس فريق نيابي يملك من الموقع السياسي والمؤسساتي ما يسمح له باللجوء إلى القضاء أو المؤسسات المختصة إذا كان يتوفر فعلاً على معطيات تتعلق بشراء أقلام أو تمويل حملات إعلامية لاستهداف حزب سياسي.
لكن التويزي لم يكشف اسم وسيلة إعلامية واحدة، ولم يحدد الصحفيين الذين يقصدهم، ولم يقدم واقعة أو وثيقة تثبت وجود تمويل مقابل مهاجمة «البام». أطلق الاتهام على شاشة القناة العمومية، ثم تركه معلقاً فوق المهنة بأكملها.
السؤال هنا لا يتعلق بحق السياسي في الرد على الصحافة أو انتقاد تغطيتها؛ فهذا حق مشروع. كما أن الصحافة ليست فوق المساءلة، وأي ممارسة للابتزاز أو الحصول على أموال مقابل النشر تستوجب التحقيق والمحاسبة. لكن الانتقال من نقد مقال أو خط تحريري إلى وصف صحافة بأنها «مشرية» يحتاج إلى دليل، لا إلى تلميحات.
إذا كان التويزي يعرف فعلاً «شكون اللي كيعطي»، فمن يدفع؟ ولمن تُدفع الأموال؟ وما المقابل؟ ولماذا لم يُعرض الملف أمام القضاء أو المجلس الوطني للصحافة أو الرأي العام؟ وهل يجوز لقيادي في الأغلبية الاحتفاظ بمعطيات يقدّمها بنفسه باعتبارها دليلاً على فساد إعلامي؟
أما إذا لم تكن هناك وثائق أو وقائع قابلة للإثبات، فإن استعمال وصف «الصحافة المشرية» يتحول إلى وسيلة سهلة لنزع المصداقية عن كل من ينتقد الحزب أو يفحص حصيلته الحكومية.
الأخطر أن التويزي جمع خلال الحوار بين اتهام بعض الصحافة بأنها «مشرية» ووصف بعض الفاعلين في حماية المال العام بـ«المبتزين». وفي الحالتين، بقيت الأسماء غائبة، بينما ظلت الاتهامات حاضرة وثقيلة.
لا يمكن مطالبة الصحفيين بكشف مصادرهم ووثائقهم، ثم السماح للمسؤول السياسي بإطلاق اتهامات عامة دون تقديم دليل واحد. ومن يقول على شاشة القناة الأولى إنه يعرف الصحافة التي اشْتُريت ويعرف من يدفع لها، يصبح مطالباً بإتمام الجملة: من اشترى من؟ وبأي أموال؟ ولأي غرض؟
إلى أن يقدم التويزي الأسماء والأدلة، سيظل تصريحه اتهاماً سياسياً غير موثق، يثير سؤالاً لا يقل خطورة عن الاتهام نفسه: هل أصبحت كل صحافة تنتقد الأغلبية «مشرية»، وكل جمعية تلاحق شبهات المال العام «مبتزة»؟
