بقلم: الباز عبدالإله
لم يحتج أحمد التويزي، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب وعضو المكتب السياسي للحزب، إلى إعلان برنامج انتخابي جديد حتى يكشف جانباً من التصور الذي يستعد به «البام» لدخول الانتخابات المقبلة. فقد كانت تصريحاته خلال برنامج «للحديث بقية»، الذي تبثه القناة الأولى، كافية لفتح أسئلة أكبر من الأجوبة التي قدمها.
التويزي أعلن أن «جميع المؤشرات خضراء»، مستنداً إلى أرقام النمو والعجز والمديونية، لكنه وجد نفسه أمام واقع آخر عرضه محاوروه: غلاء المعيشة، وتراجع قدرة الأسر على الادخار، وإقرار 78 في المائة منها بتدهور مستوى معيشتها. وبدل تقديم التزام واضح بخفض الأسعار، لجأ إلى جواب افتراضي مثير: لولا تدخل الحكومة، لكانت الطماطم بعشرين درهماً واللحم بمائتي درهم أو ربما اختفى من الأسواق!
وعندما سُئل بوضوح عما إذا كان حزبه يتعهد بخفض كلفة المعيشة أو أسعار المحروقات إلى أقل من عشرة دراهم، رفض إعطاء وعد مباشر، معتبراً الحديث عن تسقيف الأسعار من «المغالطات». وهكذا تحولت الحصيلة من قياس أثر السياسات في جيوب المواطنين إلى مطالبتهم بتخيل وضع أسوأ، وكأن نجاح الحكومة لا يقاس بما تحقق، بل بما كان يمكن أن يقع لو لم تكن موجودة.
وفي ملف فوزي لقجع، حاول التويزي التمسك بالغموض، لكنه قدم عملياً أقوى دعاية سياسية للوزير المنتدب المكلف بالميزانية. قال إن الحزب سيكون «مسروراً جداً» بانضمامه، ثم ذهب أبعد حين أكد أن لقجع «فين ما ترشح غادي يدوز»، سواء في بركان أو الحوز أو الرباط أو العيون، لأنه، بحسب تعبيره، شخصية وطنية «تقبض على الميزانية».
هذا الوصف وحده يثير سؤالاً سياسياً مشروعاً: هل يستقطب الحزب مرشحاً ببرنامج وانتساب سياسي واضح، أم يستثمر النفوذ الرمزي والمؤسساتي الذي راكمه مسؤول حكومي ورياضي؟ ولماذا يصبح الفوز مضموناً قبل أن يقول الناخبون كلمتهم؟
التويزي لم ير أيضاً حرجاً أخلاقياً في استقطاب منتخبي أحزاب الأغلبية، بمن فيهم رئيس جهة الداخلة وادي الذهب، وقال إن باب الحزب مفتوح وإن من أراد المغادرة «الله يعاونو». بل دافع عن الترحال السياسي باعتباره أمراً موجوداً حتى في بريطانيا، متجاوزاً الفارق بين انتقال فردي داخل ديمقراطيات حزبية راسخة وبين تحويل المنتخبين والأعيان إلى أوراق انتخابية تتنقل بين الأحزاب عشية الاستحقاقات.
الأخطر جاء في حديثه عن جمعيات حماية المال العام. فبدل مناقشة دورها في التبليغ ومراقبة تدبير المال العمومي، وصف بعض الفاعلين فيها بـ«المبتزين»، ودافع عن تقييد قدرتهم على تحريك الشكايات، متسائلاً عن جدوى المؤسسات الرقابية إن كان «أربعة ديال المبتزين» سيتولون ملاحقة رؤساء الجماعات.
ومن حق التويزي انتقاد أي جمعية أو التشكيك في شكاية محددة، لكن إطلاق وصف ثقيل كهذا من دون تقديم أسماء أو وقائع أو أحكام قضائية لا يقوي النقاش حول حماية المنتخبين من الشكايات الكيدية، بل قد يحول النقد السياسي إلى اتهام جماعي للفاعلين الذين يلاحقون شبهات تبديد المال العام.
بين «المؤشرات الخضراء» التي لا يلمسها المواطن، ومرشح «يفوز أينما ترشح»، وترحال سياسي أصبح عادياً، وصحافة قال إن جزءاً منها «مشرى»، وجمعيات وُصفت بـ«المبتزين»، قدم التويزي خطاباً انتخابياً صريحاً قبل إعلان البرنامج: الحزب يريد تصدر الانتخابات، لكنه لا يزال يطلب من المغاربة الثقة في الوجوه والأسامي، أكثر مما يقدم لهم التزامات قابلة للقياس والمحاسبة.
