أعاد المحامي رشيد أيت بلعربي فتح النقاش حول العلاقة المتوترة بين وزارة العدل وجسم المحاماة، بعد تدوينة حادة وجّه فيها انتقادات مباشرة إلى وزير العدل، على خلفية دعوته المجلس الأعلى للحسابات إلى فحص أموال المساعدة القضائية.
تدوينة لم تقف عند حدود الرد المهني، بل فتحت سؤالاً أوسع حول خلفيات هذا التحرك، وتوقيته، وحدود استعمال الافتحاص في ملف يعرف، بحسبه، مساطر قانونية وإدارية دقيقة.
فأيت بلعربي يرى أن إثارة ملف المساعدة القضائية بهذه الطريقة لا يمكن فصلها عن سياق العلاقة المتشنجة بين وزير العدل والمحامين خلال هذه الولاية الحكومية.
فالمهنة، التي خاضت معارك قوية دفاعاً عن استقلالها ورسالتها، تحولت في نظره إلى جبهة مزعجة للوزارة، وهو ما يجعل أي مبادرة موجهة نحوها محاطة بكثير من الشكوك المهنية والسياسية.
وأوضح أيت بلعربي أن الأموال المرتبطة بالمساعدة القضائية لا تصل إلى المحامي خارج المساطر، ولا تمر عبر قنوات غامضة، بل تخضع لسلسلة من الإجراءات والرقابات.
فالأمر يبدأ بقرار نقيب الهيئة، ويمر عبر إثبات النيابة أو المؤازرة، ثم يثبت ضمن حكم قضائي، قبل أن يخضع لمراقبة كتابة الضبط والرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف والخزينة العامة للمملكة.
وبهذا المعنى، فإن الحديث عن أموال المساعدة القضائية كما لو كانت مجالاً مفتوحاً بلا ضوابط، لا يعكس، في نظر صاحب التدوينة، حقيقة المسار الإداري والقضائي والمالي الذي تمر منه هذه التعويضات ،فهي ليست امتيازاً سرياً، ولا ريعاً مهنياً، بل مقابل خدمة يؤديها المحامي لفائدة متقاضين معوزين في إطار الولوج إلى العدالة.
الأكثر إثارة في موقف أيت بلعربي أن الدولة نفسها، بحسب ما أورده، ما تزال مدينة للمحامين بمبالغ مالية مهمة بسبب ضعف الاعتمادات المخصصة لهذا الباب، وعدم كفايتها لتغطية العدد الحقيقي لملفات المساعدة القضائية.
وهنا تظهر المفارقة التي يقوم عليها جوهر التدوينة: بدل أن يُفتح النقاش حول تأخر الأداء وضعف التمويل، يتم توجيه الضوء نحو المحامين كما لو كانوا أصل المشكل.
ومن هنا جاء وصف الخطوة، في مضمون التدوينة، بما يشبه “الافتحاص الاستعراضي”، لا من حيث رفض مبدأ الرقابة، بل من حيث انتقائية توقيتها واتجاهها.
فأيت بلعربي لا يعترض على الافتحاص كمبدأ، لكنه يطرح سؤالاً أساسياً: لماذا يتحرك النقاش الرقابي بسرعة حين يتعلق الأمر بالمحامين، بينما تبقى ملفات دعم عمومي أخرى، أكثر ثقلاً وحساسية، خارج الحماسة نفسها؟
وفي هذا السياق، استحضر صاحب التدوينة ملفات أثارت جدلاً واسعاً في الرأي العام، من قبيل دعم مستوردي المواشي وملفات مرتبطة بشركات الأدوية، معتبراً أن توسيع نطاق الافتحاص ليشمل مختلف البرامج العمومية هو وحده الكفيل بإعطاء الرقابة معناها الحقيقي.
أما حين تتجه الرقابة نحو طرف مهني بعينه، في ظل علاقة متوترة سلفاً مع الوزارة، فإنها تفتح الباب أمام تأويلات كثيرة.
وتكشف تدوينة أيت بلعربي حجم الاحتقان داخل جسم المحاماة تجاه طريقة تدبير بعض الملفات المهنية.
فالمحامي، في هذا النقاش، لا يرفض المراقبة، بل يرفض أن يُقدَّم للرأي العام كموضوع شبهة، بينما يؤدي خدمة تدخل في صميم ضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع.
بهذا المعنى، يتجاوز الجدل حدود أتعاب المساعدة القضائية، ليطرح سؤالاً أعمق حول علاقة وزارة العدل بمهنة الدفاع، وحول ما إذا كانت الرقابة تُستعمل كآلية مؤسساتية هادئة وشاملة، أم تتحول أحياناً إلى ورقة ضغط في مواجهة مهنة اختارت أن ترفع صوتها دفاعاً عن استقلالها وكرامتها.
لقد وضع أيت بلعربي وزير العدل أمام مفارقة محرجة: الدولة مدينة للمحامين، والاعتمادات لا تكفي لتغطية ملفات المساعدة القضائية، ومع ذلك يتم فتح النقاش من باب الافتحاص لا من باب الأداء والإصلاح.
وهي مفارقة تجعل السؤال الحقيقي ليس فقط: من يتقاضى تعويضات المساعدة القضائية؟ بل أيضاً: من يؤخر مستحقات المحامين، ومن يختار توقيت تحويل صاحب الحق إلى موضوع مساءلة؟
