لم تكن تدوينة إدريس الكنبوري حول سؤال محمد أوزين داخل مجلس النواب مجرد تعليق عابر على لقطة برلمانية، بل كانت قراءة سياسية لمشهد صغير في ظاهره، كبير في دلالاته.
رئيس حزب الحركة الشعبية يطرح سؤالاً على وزير التعليم بخصوص أستاذ تم توقيفه لمدة ستة أشهر، ثم يقدّم القضية باعتبارها “حالة إنسانية” لا علاقة لها بالسياسة. غير أن الكنبوري يرى أن هذا التوصيف لا يطفئ السياسة في الواقعة، بل يكشفها.
فحين يجتمع رئيس حزب، ومجلس نواب، وأستاذ موقوف، داخل جلسة عمومية، ثم تُقدَّم النتيجة باعتبارها قضية إنسانية صرفة، فإن الأمر لا يبقى في حدود التعاطف نحن أمام استعمال للمنبر البرلماني في ملف فردي، وأمام محاولة لفصل السياسة عن مشهد سياسي بامتياز. ولذلك جاءت خلاصة الكنبوري حادة: رئيس حزب، ومجلس نواب، وأستاذ، والنتيجة فضيحة سياسية.
السؤال الذي يضعه الكنبوري في قلب النقاش هو: لماذا اختار أوزين الجلسة العمومية لطرح هذه القضية الفردية؟ فالكل يعرف أن كثيراً من البرلمانيين يقضون مصالحهم مع الوزراء مباشرة خارج الجلسات، أو يتوسطون لأقاربهم ومنتسبي أحزابهم بعيداً عن الكاميرات. وإذا كان الأمر مجرد حالة إنسانية لا علاقة لها بالسياسة، فلماذا جرى تقديمها أمام كاميرا التلفزيون، وفي جلسة عمومية، وداخل مؤسسة دستورية يفترض أن تناقش السياسات العمومية لا الملفات الفردية؟
هنا لا يدافع الكنبوري عن منطق الوساطات، ولا يبرر قضاء المصالح خارج المؤسسات، بل يكشف التناقض في طريقة تقديم القضية. فإذا كان بعض البرلمانيين يعرفون طريق الوزراء حين يتعلق الأمر بمصالح خاصة أو حزبية أو عائلية، فلماذا تتحول قضية أستاذ واحد فجأة إلى موضوع عمومي باسم الإنسانية؟ ولماذا لا تُطرح القضايا الكبرى، المرتبطة بالتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، بنفس الحماسة والوضوح أمام الرأي العام؟
الأستاذ الموقوف، كما يشير الكنبوري، كان بإمكانه أن يلجأ إلى المحكمة الإدارية، هذا هو المسار الطبيعي في دولة المؤسسات. وإذا كان هناك خلل في المسطرة، أو تأخر في البت، أو تعسف إداري، فإن مهمة البرلماني ليست أن يحل محل القضاء، ولا أن ينتقي حالة واحدة ويجعلها قضية تلفزيونية، بل أن يسائل الحكومة حول الإطار العام: لماذا تتأخر المحاكم في البت في مثل هذه الملفات؟ لماذا لا يتم التعجيل بها؟ كم من أستاذ تم توقيفه؟ ما مصيرهم؟ وهل كل قضية من هذا النوع يجب أن تُطرح في جلسة عمومية داخل البرلمان؟
بهذه الطريقة، ينقل الكنبوري النقاش من شخص الأستاذ إلى وظيفة البرلماني.
فالمشكلة ليست في الدفاع عن أستاذ موقوف، ولا في التعاطف مع وضعه، بل في اختزال قضية يمكن أن تكون مدخلاً لسؤال وطني واسع في حالة فردية معروضة أمام الكاميرا.
كان على السؤال البرلماني أن يكون حول كل الأساتذة الموقوفين، وحول ضمانات التقاضي الإداري، وحول آجال البت، وحول علاقة الإدارة بالموظف، لا حول ملف واحد يُقدَّم كأنه الاستثناء الوحيد في البلاد.
ثم ينتقل الكنبوري إلى النقطة الأكثر إيلاماً. فإذا كانت هناك قضايا إنسانية فعلاً، فهي ليست نادرة ولا خفية.
المغرب يعرف حالات أقسى وأعمق وأكثر وجعاً من توقيف إداري، مهما كانت آثار التوقيف قاسية، هناك مواطنون يموتون في المستشفيات.
وهناك ما وقع لمواطن في تازة. وهناك المواطن الذي حمل ابنته من خنيفرة إلى الرباط، ووضعها أمام باب وزارة الصحة وهي في حالة خطرة بسبب حرمانها من الدواء.
تلك، في منطق الكنبوري، هي الحالات الإنسانية التي لا يمكن القفز عليها، لأن ما بعد الموت لا توجد حالة إنسانية أكبر منه.
هنا يصبح سؤال الإنسانية نفسه موضوعاً للمساءلة، لماذا تتحرك الإنسانية البرلمانية في ملف أستاذ موقوف، ولا تتحرك بنفس القوة أمام موت مواطنين في المستشفيات؟ لماذا تُرفع حالة إدارية إلى قبة البرلمان، بينما مرضى وذووهم يقطعون المسافات بين المدن بحثاً عن دواء أو علاج أو سرير؟ وإذا كانت الإنسانية هي المعيار، فهل هناك ما هو أكثر إنسانية من الحق في الحياة، والحق في العلاج، والحق في الولوج إلى الدواء؟
الكنبوري لا يدخل في مقارنة سطحية بين الآلام، لكنه يفضح انتقائية التعاطف.
فالقضية ليست أن الأستاذ لا يستحق الإنصاف، بل أن تحويل حالة واحدة إلى سؤال برلماني، مع إغفال قضايا أشد اتساعاً، يكشف خللاً في ترتيب الأولويات.
الإنسانية، حين تدخل البرلمان، يجب أن تدخل من باب السياسات العمومية لا من نافذة الملفات الفردية.
ومن هذه الواقعة، يوسع الكنبوري زاوية النقد نحو أزمة المعارضة. فعندما يكون لدى المغرب رئيس حزب يطرح سؤالاً من هذا النوع، فذلك في نظره مؤشر مقلق.
وعندما يكون هذا الحزب محسوباً على المعارضة، فالمؤشر يصبح أكثر قسوة لأن المعارضة ليست مجرد موقع خارج الحكومة، وليست مجرد جلوس في الجهة المقابلة من قاعة البرلمان، بل هي موقف سياسي، ورقابة، وبرنامج، وقدرة على مساءلة السياسات الكبرى.
هنا تأتي إحدى أقوى خلاصات الكنبوري: بعض أحزاب المعارضة لا يميزها عن أحزاب الأغلبية سوى أنها خارج الأغلبية، هي مسألة مكان لا موقف.
بمعنى أن الحزب قد يكون خارج الحكومة من حيث الترتيب السياسي، لكنه لا يختلف عنها في منطق الاشتغال، ولا في أدواته، ولا في نظرته إلى السياسة هو خارج الأغلبية عددياً، لكنه ليس خارج ذهنيتها.
ثم يربط الكنبوري الواقعة بسؤال أعمق يتعلق بدستور 2011. فقد صفقت الأحزاب السياسية لذلك الدستور، واعتبرت أنه عزز المكانة الدستورية للمعارضة، ومنحها دوراً أكبر داخل الحياة السياسية.
لكن السؤال الذي يطرحه الواقع هو: أين هي هذه المعارضة؟ أين أثرها؟ أين قوتها؟ أين قدرتها على تحويل الضمانات الدستورية إلى ممارسة سياسية حقيقية؟
فالدستور، مهما كان متقدماً في نصوصه، لا يصنع وحده حياة سياسية حديثة،هو يحتاج إلى أحزاب سياسية حقيقية، يحتاج إلى نخب تفهم معنى الرقابة، ومعنى المعارضة، ومعنى السؤال البرلماني، ومعنى الدفاع عن المواطنين عبر السياسات لا عبر الحالات المعزولة.
أما حين تكون الأحزاب ضعيفة في تصورها لوظيفتها السياسية، فإن النص الدستوري يبقى متقدماً على الممارسة، وتبقى المؤسسات أكبر من الفاعلين الذين يتحركون داخلها.
ولهذا تبدو عبارة الكنبوري حول اشتغال بعض الأحزاب بعقلية أقدم من دستور 1962 أكثر من مجرد قسوة لغوية.
إنها تشخيص لطريقة تفكير ما زالت، في نظره، محكومة بمنطق القبيلة والقايد والشيخ.
منطق الوساطة، والزعامة المحلية، والقرب الشخصي، والملف الفردي، لا منطق البرامج والمؤسسات والمحاسبة.
القضية بدأت بأستاذ موقوف، لكنها انتهت بسؤال أكبر: هل لدينا معارضة فعلاً، أم مجرد أحزاب توجد خارج الأغلبية؟ وهل لدينا أحزاب سياسية حديثة، أم تنظيمات ما زالت تتحرك بمنطق القبيلة والقايد والشيخ؟
ذلك هو جوهر ما تفتحه تدوينة إدريس الكنبوري من نقاش. فالمشكلة ليست في أن أستاذاً موقوفاً لا يستحق الإنصاف، بل في أن البرلمان حين يعالج الحالة الفردية بمنطق الظهور، ويغفل السؤال العمومي بمنطق الرقابة، يصبح هو نفسه أمام مرآة السياسة.
وداخل تلك المرآة لا تظهر فقط صورة أوزين أو حزب الحركة الشعبية، بل تظهر أزمة أوسع: معارضة تبحث عن معنى، وأحزاب تحتاج إلى أن تغادر عقلية القايد كي تدخل فعلاً زمن الدستور والمؤسسات.
