بقلم: الباز عبدالإله
لم تنتهِ أزمة سوق الماشية عند ارتفاع أثمان الأضاحي واللحوم، بل انتقلت إلى سؤال أكثر إحراجاً: كيف ضخت الدولة مئات الملايين من الدراهم في دعم الاستيراد، ثم خصصت مليارات إضافية لإعادة تكوين القطيع، بينما ظل المواطن يشتري اللحم بأسعار مرتفعة، واستمر صغار الكسابة في الشكوى من تقلص هوامش الربح وغلاء الأعلاف؟
تقرير جديد أصدرته العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، بتاريخ 23 يوليوز 2026، أعاد فتح هذا الملف، بعدما رصد ما وصفه بـ«اختلالات بنيوية عميقة ومزمنة» في سلاسل إنتاج الماشية وتسويقها، محذراً من أن الأزمة لم تعد ظرفية مرتبطة بالجفاف أو بعيد الأضحى، بل أصبحت تمس بنية القطاع وطريقة توزيع الدعم ومراقبة الأسواق.
التقرير، المعنون بـ«اختلالات سوق الماشية وارتفاع أسعار الأضاحي بالمغرب: بين تحديات الأمن الغذائي وحق المواطنين في الولوج العادل إلى الأسواق»، وضع تعدد الوسطاء و«الشناقة» في قلب الأزمة، معتبراً أن انتقال الماشية عبر حلقات متتالية قبل وصولها إلى المستهلك يرفع الأسعار دون أن يستفيد المنتج الصغير من القيمة المضافة.
وبحسب العصبة، فإن ضعف تنظيم الأسواق وصعوبة تتبع مسار المنتجات يتركان المجال مفتوحاً أمام المضاربة والتحكم في الأسعار وخلق ندرة مصطنعة، بينما يتحمل المستهلك الثمن النهائي، ويجد الكساب الصغير نفسه محاصراً بين غلاء الأعلاف وضعف قدرته على الوصول المباشر إلى السوق.
الأرقام الرسمية تمنح الملف ثقلاً إضافياً.
فقد أعلنت وزارة الفلاحة أن الدعم المباشر المخصص لاستيراد الأغنام خلال سنتي 2023 و2024 بلغ 437 مليون درهم، وشمل نحو 875 ألف رأس استفاد من استيرادها 156 مستورداً.
وإلى جانب هذا الدعم، استفادت عمليات الاستيراد من إعفاءات جمركية وضريبية، دون نشر افتحاص شامل يوضح بصورة مفصلة أثر مجموع هذه التدابير على السعر الذي دفعه المواطن.
ورغم الأموال المرصودة، اعتبرت العصبة أن الدعم لم ينعكس بصورة إيجابية وملموسة على الأسعار النهائية في الأسواق، محذرة من احتمال تحوله إلى ريع اقتصادي إذا لم تُكشف لوائح المستفيدين، والكميات المستوردة، وكلفة العمليات، والأسعار التي بيعت بها المواشي واللحوم بعد دخولها إلى المغرب.
غير أن الحديث عن غياب تام لإحصائيات محينة يحتاج إلى تدقيق. فقد أنجزت وزارة الفلاحة إحصاءً وطنياً بين 26 يونيو و11 غشت 2025، وأعلنت أن القطيع بلغ 32 مليوناً و832 ألفاً و573 رأساً، موزعة بين الأغنام والماعز والأبقار والإبل.
كما خصصت الحكومة قرابة 11 مليار درهم لدعم مربي الماشية وإعادة تكوين القطيع.
لكن وجود رقم إجمالي لا ينهي أسئلة الشفافية، فما زالت الحاجة قائمة إلى نشر المعطيات المفصلة بحسب الجهات والأصناف، وتكاليف الإنتاج الحقيقية، وأعداد الرؤوس الموجهة للتوالد أو الذبح، وحجم العرض والطلب، إضافة إلى حصيلة الأموال المصروفة وأسماء المستفيدين منها.
التقرير أثار أيضاً مسألة أكثر حساسية، حين حذر من أن ضعف المراقبة قد يسمح باستعمال مواد غير مرخصة في تغذية الماشية، بما قد يهدد صحة المستهلك.
غير أن الوثيقة، وفق ما نُشر من خلاصاتها، لم تعرض حالات محددة أو نتائج تحاليل أو محاضر ضبط؛ لذلك يبقى الأمر تحذيراً حقوقياً يستوجب تحقيقاً من الجهات الصحية والبيطرية، وليس واقعة مثبتة يمكن تعميمها على القطاع.
العصبة طالبت بإخضاع برامج الدعم العمومي لافتحاص مستقل، ونشر نتائجه للعموم، وتمكين المؤسسات الرقابية من التحقق من وصول الأموال إلى مستحقيها، مع إصلاح مسالك التسويق، وتقليص حلقات الوساطة، وإنشاء أسواق نموذجية تضمن المنافسة وتتبع الأسعار.
كما دعت إلى محاسبة كل مسؤول حكومي أو إداري أو فاعل اقتصادي يثبت تقصيره أو استغلاله للدعم والمناصب لتحقيق مصالح خاصة، مؤكدة أن استمرار الغلاء رغم الدعم لا يمكن أن يُواجه بتطمينات موسمية تتكرر كلما اقترب عيد الأضحى.
بين 437 مليون درهم لدعم استيراد الأغنام، وإعفاءات ضريبية وجمركية، وبرنامج جديد لإعادة تكوين القطيع بغلاف يقارب 11 مليار درهم، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت الدولة قد دفعت، بل أين ظهر أثر ما دفعته داخل الأسواق.
فالدعم وصل، والاستيراد تم، والإحصاء أُنجز، لكن اللحم بقي غالياً.
وبين المستورد والوسيط و«الشناق»، ما زال المواطن ينتظر معرفة من استفاد فعلاً، ومن سيحاسَب عن أموال صُرفت باسم حماية قدرته الشرائية دون أن يشعر بانخفاض الأسعار.
