ليست كل ذكريات السجن قابلة للنسيان، فبعض المشاهد تستمر في ملاحقة الإنسان سنوات بعد خروجه، لا باعتبارها صوراً عابرة من الماضي، بل آثاراً يحتفظ بها الجسد قبل الذاكرة.
بهذه القسوة استعاد عبد الفتاح الحيداوي جانباً من تجربته داخل سجن الرماني، كاشفاً، في تدوينة مؤثرة، تفاصيل حياة يومية لم يكن فيها المعتقل يصارع فقط فقدان الحرية، بل كان يخوض معركة من أجل وجبة يمكن تناولها، ومكان يصلح للنوم، ومساحة صغيرة تكفي للوضوء وأداء سجدة.
يقول الحيداوي إن وجبة الفطور كانت تصل إلى المعتقلين داخل «طنجية» حديدية ضخمة يحملها سجينان بصعوبة، قبل أن يقفا أمام الزنازين، ويمد كل معتقل كأسه من بين قضبان الباب الحديدي للحصول على سائل كان يُقدَّم لهم باعتباره قهوة.
لكن ما كان يصل إلى الكؤوس، وفق شهادته، لم يكن قابلاً للوصف من حيث اللون أو الرائحة أو المذاق. واختصر الحيداوي أثره في عبارة مباشرة: بعد شرب تلك «القهوة»، كان أفضل مكان يمكن الجلوس فيه هو بجوار المرحاض.
لم يكن الأمر مجرد رداءة في المذاق، بل وجبة يقول صاحب الشهادة إن معدته ما زالت تحتفظ بتفاصيلها إلى اليوم، في صورة تعيد طرح سؤال واضح: كيف يمكن أن يتحول الطعام المقدم لمعتقلين تحت مسؤولية الدولة إلى مصدر لمعاناة إضافية داخل السجن؟
وجبة الغداء لم تكن أفضل حالاً.
مرق تسبح داخله خضراوات فقد معظمها هويته قبل أن يصل إلى أفواه المعتقلين. كان يمكن التعرف إلى البطاطس والجزر، أما ما بقي فكان يصعب تحديده، وسط وجبات لم تكن، بحسب الحيداوي، كافية لمواجهة قسوة الاعتقال والجوع.
ويكشف أن صديقاً كان يقتسم معه ما تحضره عائلته خلال الزيارة ساعده على تجاوز تلك الأيام. بعض الأرغفة، أو قطعة جبن، أو تمرات قليلة، كانت تصنع الفارق بين يوم يمكن احتماله ويوم ينهار فيه الجسد.
وحدها المواد الغذائية القادمة من الخارج كانت تسد جزءاً من الفراغ الذي تتركه وجبات السجن، بما يضع الأسر بدورها أمام عبء إطعام أبنائها داخل مؤسسة يفترض أنها مسؤولة عن توفير الحد الأدنى من التغذية والرعاية.
لكن الطعام، بكل ما تركه من أثر، لم يكن أقسى ما عاشه الحيداوي داخل السجن.
الأقسى كان وجود خمسين معتقلاً داخل زنزانة واحدة.
«اكتب الرقم مرة أخرى: خمسون»، يقول الحيداوي.
لم يكن الأمر يتعلق بخمسين اسماً داخل سجل إداري، بل بخمسين جسداً، وخمسين نفساً، وخمسين قصة، حُشرت جميعها داخل مساحة واحدة، حتى تحوّل النوم إلى صراع، والجلوس إلى صراع، والحركة إلى مغامرة، والتنفس أحياناً إلى حق يحتاج إلى تفاهم صامت بين المعتقلين.
ذلك الاكتظاظ لم يكن مجرد إزعاج يومي، بل وضعاً يمس بصورة مباشرة كرامة المعتقل وسلامته الجسدية والنفسية، ويجعل أبسط الحقوق، من النوم إلى قضاء الحاجة، خاضعة لمنطق الازدحام والتدافع.
وسط تلك الظروف، تعرف الحيداوي إلى شاب كان يراقبه أثناء الصلاة. اقترب منه ذات يوم وأخبره بأن عدداً كبيراً من الموجودين داخل الزنزانة لا يصلون، لا لأن الإدارة تمنعهم، ولا لأن المعتقلين يعترضون عليهم، بل لأن المكان نفسه لا يترك لهم مساحة.
لم يفهم الحيداوي معنى كلامه إلا مع حلول فجر اليوم التالي.
كان المعتقلون ينامون فوق الأرض، متلاصقين دون ممر واضح. وللوصول إلى مكان الوضوء، كان على المصلي أن يتجاوز أجساد النائمين بحذر شديد، محاولاً ألا يطأ يداً أو قدماً، وألا يوقظ شخصاً لم يحصل أصلاً على مساحة كافية للنوم.
فإذا نجح في الوصول إلى الماء، بدأت معركة أخرى: البحث عن رقعة صغيرة تسمح له بالوقوف والركوع والسجود.
وصف الحيداوي المشهد بأنه أشبه بعبور «حقل ألغام بشرية». أصوات ترتفع، واحتجاجات تتصاعد، وأقدام تتشابك بالأجساد، ليس بسبب خلاف ديني بين المعتقلين، بل بسبب زنزانة لم تعد تتسع لمن حُشروا داخلها.
لم تكن المعركة بين المصلين وغير المصلين، بل بين الإنسان وضيق المكان.
ولم يكن السؤال: هل يحق للمعتقل أن يصلي؟ بل: هل توجد أصلاً مساحة تسمح له بأن يضع جبهته على الأرض؟
المفاجأة الأكثر قسوة كانت حين أخبره الشاب أن بعض المعتقلين كانوا يخفون صلاتهم، لا خوفاً من إدارة السجن أو من باقي السجناء، وإنما هرباً من الصراع اليومي على مكان للوضوء والسجود.
كان بعضهم ينتظر حتى يهدأ المكان، بينما يختار آخرون الصلاة فرادى في أوقات لا يراهم فيها أحد، وكأن أداء الفريضة تحول إلى نشاط سري داخل بلد يرتفع فيه الأذان خمس مرات كل يوم.
هذه الشهادة لا تتحدث عن منع رسمي للصلاة، لكنها تكشف وضعاً قد تكون نتيجته العملية واحدة: معتقل يريد أداء عبادته، لكنه لا يجد ممراً إلى الماء ولا رقعة تتسع لسجدة.
ومع مرور الأيام، بدأ المشهد يتغير تدريجياً.
أخذ عدد المصلين يرتفع داخل الزنزانة، وكأن صلاة شخص واحد منحت الآخرين جرأة الخروج من العزلة، إلى أن جاء اليوم الذي ارتفع فيه الأذان لأول مرة خلف القضبان.
يقول الحيداوي إنه توقف من شدة الدهشة، ثم التفت إلى صاحبه قائلاً: «أول مرة».
فأجابه الشاب: «نعم… أول مرة».
لم يكن الأذان في تلك اللحظة مجرد إعلان عن موعد الصلاة، بل كان مؤشراً على واقع كامل: في بلد يحضر فيه الدين بقوة في الخطاب والمؤسسات والفضاء العام، احتاج خمسون معتقلاً إلى وقت حتى يتمكنوا من رفع الأذان داخل زنزانة مكتظة.
هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: ماذا تعني حرية ممارسة الشعائر عندما يصبح الوصول إلى مكان الوضوء مغامرة، ويصبح السجود سبباً محتملاً للاحتكاك، ويضطر بعض المعتقلين إلى الصلاة في الخفاء بسبب غياب مساحة تحفظ لهم هذا الحق؟
ونقل الحيداوي عن رفيقه جملة قال إنها لم تفارق ذاكرته: إذا أراد الباحثون في الشأن الديني معرفة الإسلام الحقيقي في هذا البلد، فلا ينبغي أن يكتفوا بالجامعات والمؤتمرات والإحصاءات، بل عليهم أن يدخلوا السجون أولاً.
داخل السجون، حسب الشهادة نفسها، يمكن رؤية كيف يتشكل التدين تحت ضغط الجوع والاكتظاظ والخوف واليأس، وكيف يُختبر الإيمان عندما تصبح السجدة نفسها معركة.
تدوينة الحيداوي ليست مجرد استعادة لمرحلة شخصية، بل شهادة تفتح ملفاً أكبر يتعلق بظروف الإيواء والتغذية والاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، وبمدى قدرة المعتقل على الاحتفاظ بكرامته وحقوقه الأساسية بعد إغلاق باب الزنزانة.
فالعقوبة السجنية تقيد الحرية، لكنها لا يُفترض أن تحول الطعام إلى مصدر للمرض، ولا النوم إلى صراع، ولا الوضوء إلى مغامرة، ولا الصلاة إلى معركة فوق أجساد خمسين معتقلاً.
السؤال اليوم لا يتعلق فقط بما عاشه الحيداوي، بل بما إذا كانت هذه الظروف قد انتهت فعلاً، ومن يراقب جودة الطعام داخل السجون، ومن يحدد عدد المعتقلين داخل كل زنزانة، ومن يتحمل المسؤولية عندما يصبح الحد الأدنى من الكرامة امتيازاً لا يصل إليه الجميع.
داخل سجن الرماني، وفق شهادة الحيداوي، لم تكن القهوة قهوة، ولم تكن الوجبة غذاءً كافياً، ولم يكن النوم راحة، ولم تكن سجدة الفجر حقاً سهلاً.
كل شيء كان يحتاج إلى معركة حتى الوضوء.
