أعاد تقرير إسباني حديث تسليط الضوء على ملف الهجرة غير النظامية عبر غرب البحر الأبيض المتوسط والطريق الأطلسية، كاشفاً عن معطيات جديدة تؤكد المكانة المحورية للمغرب في منظومة تدبير الحدود الجنوبية لإسبانيا.
ويبرز التقرير، الصادر عن منظمة Servicio Jesuita a Migrantes بتاريخ 9 يونيو 2026، أن هذا الملف يتجاوز مجرد تتبع أعداد المهاجرين الواصلين إلى الضفة الأوروبية، ليشمل تحليلاً معمقاً لتأثير السياسات الأمنية، وتحولات مسارات الهجرة، والتحديات الإنسانية المرتبطة بإدارة الحدود بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي.
ويستعرض التقرير، المعنون بـ “Dos mares, un rumbo”، حصيلة سنة 2025 من خلال مقاربة تجمع بين المعطيات الإحصائية والتحليل الميداني.
فقد سجلت إسبانيا 36.775 حالة دخول غير نظامي، وهو ثاني أدنى مستوى منذ إعادة تنشيط الطريق الأطلسية سنة 2020. وعلى الرغم من أن هذا الرقم قد يُنظر إليه، للوهلة الأولى، باعتباره مؤشراً على فعالية التدابير الأمنية والإدارية المعتمدة، فإنه يطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان هذا التراجع يعكس انخفاضاً فعلياً في وتيرة الهجرة غير النظامية، أم أنه نتيجة لتحول المسارات بفعل تشديد إجراءات المراقبة وتعزيز آليات التعاون والاتفاقات الثنائية والإقليمية.
ويخصص التقرير حيزاً مهماً للمغرب باعتباره طرفاً رئيسياً في ديناميات الهجرة على المستويين الأطلسي والمتوسطي.
فالمملكة تضطلع بدور محوري في مختلف مراحل هذه المسارات، من ناظور ومليلية إلى الواجهات البحرية الجنوبية، ومن العيون والداخلة بالصحراء المغربية إلى مراكز المراقبة والعبور والاستقبال.
وفي هذا الإطار، لا تقتصر أهمية هذه المناطق على بعدها الجغرافي، بل تشكل مكونات أساسية ضمن منظومة معقدة تتقاطع فيها الأبعاد الأمنية والدبلوماسية والتنموية، إلى جانب متطلبات التنسيق والتعاون مع الشركاء الأوروبيين.
وحسب التقرير، أسهم تشديد إجراءات المراقبة في موريتانيا والسنغال، إلى جانب التحولات التي شهدتها دينامية الطريق الأطلسية، في انتقال بعض نقاط الانطلاق نحو غامبيا، بل وحتى نحو مسارات أبعد وأكثر كلفة.
ويعكس ذلك حقيقة أن الحدود لا تمثل خطاً ثابتاً على الخريطة، بل منظومة متغيرة تتأثر بالضغوط والتحولات الميدانية.
فكلما ازدادت القيود في نقطة معينة، اتجهت تدفقات الهجرة إلى البحث عن مسارات بديلة.
وفي هذه المعادلة، لا يبرز المغرب باعتباره مجرد بلد عبور، بل كفاعل محوري في إدارة ملف معقد يتجاوز نطاق حدوده الوطنية. فبينما تسعى أوروبا إلى الحد من أعداد الوافدين، وتطمح إسبانيا إلى تعزيز الاستقرار على حدودها، يجد المغرب نفسه مجدداً في موقع الشريك الأمني والجغرافي في قضية لم يكن مسؤولاً عن أسبابها المباشرة، لكنه يتأثر بجانب مهم من تداعياتها السياسية والإنسانية.
كما يشير التقرير إلى تسجيل 1.639 حالة لمواطنين مغاربة ضمن الدخول غير النظامي عبر الطريق الأطلسية خلال سنة 2025، وفق معطيات وكالة Frontex، إضافة إلى حالات أخرى عبر الطريق المتوسطي الغربي.
ويبرز هذا المعطى أهمية تجاوز القراءات المبسطة التي تختزل دور المغرب في كونه بلد عبور فقط.
فالمغرب حاضر في هذا الملف بصفته بلد مراقبة وبلد مصدر في الوقت ذاته؛ فهو من جهة شريك في الحوار والتنسيق مع أوروبا بشأن إدارة الهجرة، ومن جهة أخرى يواجه استمرار توجه جزء من شبابه إلى سلوك مسارات الهجرة غير النظامية. وهي مفارقة تعكس تعقيد الظاهرة وتعدد أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.
تتضح الأبعاد السياسية لهذا السياق بشكل لافت. فبينما تحتفي أوروبا بتراجع أعداد العبور غير النظامي، تبرز من المنظور المغربي مجموعة من التساؤلات الجوهرية: ما العوامل التي تدفع بعض المواطنين المغاربة إلى الإقدام على هذه المخاطرة؟ وما انعكاسات سياسات المراقبة الحدودية على المدن التي أصبحت في تماس مباشر معها؟ وكيف تؤثر هذه السياسات على المهاجرين الأفارقة الذين يجدون أنفسهم عالقين بين الانتظار ومسارات هجرة أطول وأكثر تعقيداً وخطورة؟
ومن أبرز القضايا التي يثيرها التقرير مفهوم “نجاح الحدود”. فبحسب المقاربة القائمة على المؤشرات الرقمية، يُقاس النجاح بانخفاض أعداد الوافدين.
أما من منظور السياسات العمومية، فإن النجاح المستدام يرتبط بمعالجة الأسباب البنيوية للهجرة، وتفادي اختزال هذا الملف في آلية لإدارة مظاهر الهشاشة الاجتماعية والإنسانية.
كما يقتضي الأمر عدم حصر الجغرافيا المغربية في فضاء انتظار مفتوح بين ضفة يسعى بعض أفرادها إلى المغادرة، وأخرى تعمل على الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية نحو أراضيها.
ويمتلك المغرب الحق الكامل في حماية حدوده وتنظيم تدفقات الهجرة وفقاً للقوانين الوطنية والالتزامات الدولية، كما يندرج تعاونه مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي ضمن الأطر المشروعة للعلاقات الدولية.
غير أن هذا التعاون يظل موضوعاً مشروعاً للنقاش العمومي، خاصة عندما تتراجع كلفته الاجتماعية والإنسانية إلى هامش التقارير الدولية، في ظل محدودية النقاش الوطني المعمق بشأن تداعياته المختلفة.
ولا يتعلق الأمر بتبسيط ملف معقد أو مقاربته من منظور عاطفي، بل بالدعوة إلى نقاش عمومي متوازن وموضوعي حول الهجرة باعتبارها سياسة عمومية متعددة الأبعاد، لا مجرد ملف أمني مرتبط بالعلاقات مع أوروبا.
فالحدود التي تُدار بمنطق الأرقام وحده قد تنجح في الحد من أعداد الوافدين، لكنها لا تقدم إجابة كافية عن السؤال الأكثر أهمية: لماذا لا يزال خيار الهجرة، رغم ما ينطوي عليه من مخاطر جسيمة، يبدو أكثر جاذبية لبعض المواطنين من البقاء؟
ولا يقدم تقرير SJM حكماً نهائياً بشأن المغرب، لكنه يسلط الضوء على هذا الملف ويضعه تحت دائرة التحليل.
وما يكشفه هذا التدقيق لا يقتصر على قوارب الهجرة فحسب، بل يمتد إلى منظومة متكاملة تشمل الأوضاع الاقتصادية، وفترات الانتظار الطويلة، والتعاون الأمني، وتفاوت الفرص، فضلاً عن مفارقة تتمثل في تحسن بعض المؤشرات التنموية من جهة، واستمرار قناعة لدى بعض المواطنين بأن فرص المستقبل الأفضل توجد على الضفة الأخرى من جهة أخرى.
وعندما تتحول الحدود إلى مجال تتقاطع فيه الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والأمنية، لا يكفي التركيز على عدد الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول.
فالسؤال الأعمق والأكثر أهمية يظل: كم شخصاً دفعته ظروفه المعيشية إلى التفكير في خوض هذه المحاولة من الأساس؟
