تحولت عبارة أطلقها الرئيس التنفيذي لـ«بنك أوف أميركا»، براين موينيهان، بشأن الأثر الاقتصادي لمونديال 2026، إلى رقم ضخم يوحي بأن الولايات المتحدة حصدت عوائد بقيمة 20 مليار دولار، غير أن تفكيك هذا الرقم ومقارنته بالمؤشرات الفعلية للفنادق والمطاعم والتشغيل يكشفان صورة أكثر تعقيداً من رواية «الأرباح القياسية».
فالمصدر الأصلي لم يعلن عن 20 مليار دولار من الإيرادات المحصلة، ولا عن أرباح صافية حققتها الخزينة الأميركية، بل تحدث عن تقدير للنشاط الاقتصادي الذي حركته البطولة.
وقال موينيهان إن «بنك أوف أميركا» يقدر النشاط الاقتصادي العالمي المرتبط بالمونديال بنحو 40 مليار دولار، مرجحاً أن يكون قرابة نصفه، أي نحو 20 مليار دولار، قد تحقق داخل الولايات المتحدة.
والفرق هنا جوهري؛ فالنشاط الاقتصادي يشمل الأموال المتداولة داخل سلسلة واسعة من القطاعات، مثل الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة والإعلانات، وقد يحتسب الإنفاق المباشر وآثاره غير المباشرة عبر مراحل مختلفة من الدورة الاقتصادية. أما العائد أو الربح الصافي فلا يُحتسب إلا بعد خصم النفقات العمومية والخاصة المرتبطة بالأمن والتنظيم والنقل والخدمات والاستثمارات.
ولا يتوفر، إلى حدود الأحد 26 يوليوز 2026، تقرير حكومي أميركي نهائي ومدقق يثبت أن الولايات المتحدة حصلت فعلياً على 20 مليار دولار من المونديال، أو يحدد قيمة الإيرادات الضريبية الصافية بعد خصم تكاليف الاستضافة.
كما أن «بنك أوف أميركا»، مصدر التقدير، ليس منفصلاً تجارياً عن الحدث، بل هو البنك الرسمي الراعي لكأس العالم 2026. ولا يلغي ذلك قيمة بياناته، لكنه يجعل من الضروري تقديم الرقم باعتباره تقديراً صادراً عن جهة تجارية مرتبطة بالبطولة، لا حصيلة حكومية نهائية.
وساعد الخلط بين «النشاط الاقتصادي» و«العوائد» على ترسيخ انطباع بأن 20 مليار دولار دخلت مباشرة إلى خزينة الدولة أو حسابات الشركات الأميركية بفضل المونديال، بينما تُظهر التفاصيل التي نشرها البنك نفسه أن العلاقة بين البطولة وارتفاع الإنفاق لم تكن مباشرة أو حصرية.
فقد أظهر «معهد بنك أوف أميركا» ارتفاع إنفاق الأسر المتعاملة ببطاقات البنك الائتمانية وبطاقات الخصم بنسبة 6.3 في المائة خلال يونيو مقارنة بالشهر نفسه من السنة الماضية، في أقوى وتيرة نمو منذ أكثر من أربع سنوات.
لكن البنك لم ينسب هذه الزيادة بكاملها إلى كأس العالم، بل أوضح أن الإنفاق استفاد أيضاً من انخفاض أسعار الوقود وقوة المشتريات الترفيهية، فضلاً عن تزامن عروض تجارية إلكترونية مع نهاية يونيو بعدما أُطلقت خلال يوليو من السنة الماضية.
وتعني هذه المعطيات أن نسبة 6.3 في المائة لا تمثل إنفاقاً مونديالياً خالصاً، كما أنها لا تغطي جميع الأسر الأميركية، بل تستند إلى بيانات مجمعة لعملاء «بنك أوف أميركا».
ويظهر أثر البطولة بصورة أوضح عند مقارنة المطاعم والحانات داخل المدن المستضيفة ببقية الولايات المتحدة. فخلال الأسابيع الثلاثة المنتهية في 27 يونيو، ارتفع الإنفاق الحضوري داخل هذه المنشآت بنسبة 5.3 في المائة في المدن التي احتضنت المباريات، مقابل 3.8 في المائة في بقية البلاد.
وتكشف المقارنة فرقاً لا يتجاوز 1.5 نقطة مئوية بين المدن المستضيفة وغيرها، بما يقدم مؤشراً على الأثر المحتمل للمونديال، دون أن يسمح بنسب هذا الفرق كاملاً إلى البطولة بسبب اختلاف الظروف الاقتصادية والسياحية بين المدن.
كما لا تشمل بيانات البنك إنفاق المشجعين الذين استخدموا بطاقات أجنبية، لكنها، في المقابل، لا تفصل بصورة كاملة بين مصروفات المونديال والإنفاق العادي للسكان الأميركيين أو الأنشطة التجارية الأخرى المتزامنة معه.
الفنادق بدورها حققت أرقاماً مرتفعة، لكنها كشفت أكبر تناقض بين الإيرادات والإقبال الحقيقي. فخلال أسبوع 21 إلى 27 يونيو، بلغ متوسط السعر اليومي للغرفة في الولايات المتحدة 178.82 دولاراً، فيما وصل العائد لكل غرفة متاحة إلى 129.09 دولاراً، وهما أعلى مستويين أسبوعيين اسميين في البيانات الأميركية.
وخلال الأسبوع التالي، سجلت الأسواق المستضيفة ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في العائد لكل غرفة متاحة، رغم انخفاض عدد المباريات التي احتضنتها بنحو النصف بعد الانتقال إلى الأدوار الإقصائية.
غير أن بيانات شركة «كوستار»، المتخصصة في تحليل سوق الفنادق، أظهرت أن المكاسب جاءت أساساً من رفع أسعار الغرف، وليس من ارتفاع مماثل في عدد النزلاء.
ومن أصل 11 سوقاً أميركية استضافت مباريات المونديال، لم يرتفع معدل إشغال الفنادق خلال أول أسبوعين إلا في ثلاث فقط، هي سان فرانسيسكو ودالاس ولوس أنجلوس. أما بقية الأسواق المستضيفة فرفعت الأسعار والإيرادات دون تسجيل زيادة في الإشغال.
وسجلت سان فرانسيسكو أقوى أداء خلال تلك الفترة، بعدما ارتفع العائد لكل غرفة متاحة بنسبة 55 في المائة، ومتوسط الأسعار بنسبة 32 في المائة، والإشغال بنسبة 17 في المائة.
لكن «كوستار» نبهت إلى أن المدينة استضافت بالتزامن مؤتمر «Databricks Data + AI Summit»، الذي جذب أكثر من 30 ألف مشارك بين 15 و18 يونيو، فضلاً عن ضعف قاعدة المقارنة مع السنة الماضية. ولذلك لا يمكن نسب الزيادة كاملة إلى مباريات كأس العالم.
وحققت فيلادلفيا زيادة تجاوزت 50 في المائة في إيرادات الفنادق خلال أيام المباريات الست التي احتضنتها، فيما ارتفع متوسط السعر اليومي بنحو 48 في المائة إلى 367 دولاراً.
أما أرلينغتون بولاية تكساس، التي احتضنت مباريات ملعب دالاس، فسجلت إيرادات فندقية قياسية بلغت 31 مليون دولار خلال يونيو، مقابل رقم شهري سابق بلغ 23 مليون دولار.
وقدّر مكتب السياحة المحلي الأثر الاقتصادي لكل مباراة بما يتراوح بين 18 و24 مليون دولار، وهي تقديرات محلية للنشاط الاقتصادي وليست أرباحاً صافية.
وسجلت أتلانتا ارتفاعاً بنحو 15 في المائة في إيرادات الفنادق، رغم تراجع عدد الليالي المحجوزة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، ما يؤكد أن رفع الأسعار كان المحرك الأساسي للمكاسب.
وفي هيوستن، انخفض معدل إشغال الفنادق بنسبة 2 في المائة خلال يونيو، بينما ارتفع متوسط سعر الغرفة بنسبة 16 في المائة. وهكذا دفعت الفئة التي حجزت الغرف أسعاراً أعلى، لكن المدينة لم تستقطب عدداً أكبر من النزلاء مقارنة بالسنة الماضية.
حتى نيويورك، التي احتضنت منطقتها الحضرية المباراة النهائية، لم تحقق القفزة التي انتظرها مهنيون. فقد خفضت جمعية فنادق نيويورك توقعها للزيادة المرتبطة بالمونديال إلى نحو 100 مليون دولار، أي ثلث التقدير السابق البالغ 300 مليون دولار.
وتظهر بيانات «كوستار» كذلك أن الفنادق الموجودة خارج المدن المستضيفة استفادت من انتقال جزء من سفر الأعمال والسياحة العادية إليها، بعدما دفعت الأسعار المرتفعة داخل أسواق المونديال بعض المسافرين إلى اختيار وجهات بديلة.
ومنذ انطلاق البطولة وحتى 27 يونيو، تراجع الطلب الفندقي داخل الأسواق المستضيفة بنسبة 1.1 في المائة، بينما ارتفع بنسبة 2.3 في المائة في بقية الولايات المتحدة. كما انخفض الطلب الجماعي داخل الفنادق الفاخرة والعالية التصنيف في المدن المستضيفة بنسبة 20.5 في المائة، مقابل ارتفاعه بنسبة 9 في المائة داخل الأسواق الكبرى غير المستضيفة.
ولم يظهر الأثر المنتظر في سوق العمل بالوضوح نفسه. فقد كان اقتصاديون يتوقعون إضافة ما يصل إلى 40 ألف وظيفة مرتبطة بالبطولة، لكن «رويترز بريكينغفيوز» أفادت بأن هذه الزيادة لم تكن قد تحققت حتى مطلع يوليوز.
وتعني هذه المؤشرات أن المونديال رفع المداخيل داخل قطاعات محددة، لكنه لم يتحول بالضرورة إلى تدفق سياحي واسع أو طفرة مماثلة في التشغيل. ففي مدن عدة، دفع عدد أقل أو شبه مستقر من النزلاء أثماناً أعلى، فارتفعت الإيرادات دون زيادة حقيقية في الإشغال.
أما المكسب الذي يمكن ربطه مباشرة بالبطولة، فهو العائد الإعلامي. فقد تابع نحو 62.8 مليون شخص داخل الولايات المتحدة نهائي إسبانيا والأرجنتين عبر «فوكس» و«تيلموندو» و«بيكوك»، مقابل 22.3 مليون مشاهد أميركي لنهائي قطر سنة 2022.
واستقطبت «فوكس» 38.9 مليون مشاهد، بينما جذبت التغطية الناطقة بالإسبانية عبر «تيلموندو» و«بيكوك» 23.9 مليوناً. ووصل سعر الإعلان لمدة 30 ثانية خلال بعض مباريات الأدوار الإقصائية إلى مليون دولار.
وقدّر تقرير نشرته «هوليوود ريبورتر» ونقلته «رويترز» أن تحقق «فوكس» ما لا يقل عن 250 مليون دولار من إعلانات فترات التوقف لشرب الماء وحدها. غير أن الرقم يظل تقديراً إعلامياً، وليس نتيجة مالية مدققة أعلنتها الشبكة.
ولا تنفي هذه المعطيات استفادة الاقتصاد الأميركي من المونديال، خصوصاً أن الولايات المتحدة احتضنت غالبية مباريات البطولة، لكنها تسقط رواية الربح الموحد الذي شمل جميع المدن والقطاعات.
فالرقم المتداول، البالغ 20 مليار دولار، ليس عوائد حصلت عليها الحكومة الأميركية، ولا أرباحاً صافية حققتها الفنادق والمطاعم، بل تقدير واسع للنشاط الاقتصادي الذي حركته البطولة، صادر عن البنك الرسمي الراعي للمونديال.
وبينما حصدت شبكات البث والفنادق الموجودة قرب الملاعب ومراكز الجماهير مكاسب واضحة، تراجع الإشغال داخل مدن مستضيفة، وانتقل مسافرون إلى أسواق أخرى، ولم تظهر عشرات الآلاف من الوظائف المنتظرة.
وهكذا لا يكمن الإشكال في تداول رقم 20 مليار دولار، بل في تقديمه باعتباره «عوائد حصدتها أميركا» دون شرح طبيعته أو خصم تكاليف التنظيم أو التمييز بين ارتفاع الأسعار وزيادة أعداد السياح.
فالولايات المتحدة ربحت من المونديال بلا شك، لكن الحصيلة المتاحة حتى الآن لا تثبت أنها ربحت 20 مليار دولار صافية، ولا أن جميع مدنها خرجت من البطولة فائزة.
