بقلم: الباز عبدالإله
وضعت دراسة أكاديمية جديدة الخطب الملكية في قلب هندسة القرار التنموي بالمغرب، بعدما خلصت إلى أنها لا تقتصر على إعلان التوجيهات والمبادرات، بل تشكل مرجعاً طويل الأمد لتحديد الأولويات، وتأطير الأجندة السياسية، وتنسيق عمل الحكومة والبرلمان وباقي المؤسسات.
ونُشرت الدراسة، يوم أمس الجمعة 24 يوليوز 2026، في «المجلة الأوروبية لأبحاث المستقبل»، وهي مجلة علمية محكّمة ومفتوحة الوصول، تُنشر تحت علامة «SpringerOpen» التابعة لمجموعة «Springer Nature»، تحت عنوان: «هل تنقل الخطب الملكية في المغرب رؤية جماعية للتنمية؟».
وأنجز البحث مولاي الحسن وفيليب دورانس، واعتمد على تحليل 52 خطاباً ألقاها الملك محمد السادس في مناسبتين مؤسساتيتين أساسيتين، هما عيد العرش وافتتاح السنة التشريعية بالبرلمان.
وحدد الباحثان المجال الزمني للدراسة بين اعتلاء الملك محمد السادس العرش في 30 يوليوز 1999 و31 دجنبر 2025، بعدما رصدا أكثر من 750 خطاباً ورسالة ملكية خلال هذه الفترة، قبل حصر العينة موضوع التحليل في 52 خطاباً.
وجُمعت نصوص الخطب من البوابة الرسمية للمملكة «Maroc.ma» لضمان صحتها، فيما أُنجز التحليل اليدوي بالاعتماد على الترجمات الفرنسية الرسمية، مع لجوء الباحثين إلى الترجمة عند غياب نسخة إنجليزية رسمية.
واعتمد البحث منهجاً يجمع بين تحليل الخطاب النقدي، ونظرية الرؤية المستقبلية، وتحليل الوثائق، بهدف تحديد ما إذا كانت الخطب الملكية تحمل تصوراً جماعياً لمستقبل التنمية، ومدى ارتباط هذا التصور بمشاركة المؤسسات والفاعلين والمواطنين.
وأوضحت الدراسة أن الباحث الأول راكم أكثر من سبع سنوات من الخبرة المهنية في تجميع وتلخيص التوجيهات الملكية لفائدة تقارير ودراسات استراتيجية داخل مركز تفكير مغربي، وهو ما أتاح له إلماماً مسبقاً بمتن الخطب، بينما أكد الباحثان أن النتائج المعروضة استندت حصراً إلى عمليات الترميز والتحليل المحددة في منهجية البحث.
وصرّح الباحثان بأن مقاربتهما لتحليل الخطاب النقدي لا تنطلق من افتراض الحياد الكامل، وأن منظورهما يقوم على الحاجة إلى قيادة تتمتع بالشرعية لاختيار مستقبل مرغوب من بين البدائل الممكنة.
وقالت الدراسة إن المغرب لم يعتمد وثيقة رسمية واحدة تحدد رؤية تنموية متكاملة بأفق زمني مضبوط، رغم أن تقرير النموذج التنموي الجديد اقترح طموحاً وطنياً يمتد إلى سنة 2035، مع تفضيله استعمال مصطلح «الطموح» بدل «الرؤية».
وبحسب نتائج البحث، تؤدي الخطب الملكية عملياً وظيفة مرجعية في توجيه السياسات والعمل العمومي، إذ تستند إليها البرامج الحكومية والاستراتيجيات القطاعية وقوانين المالية عند تحديد أولوياتها وتأطير اختياراتها.
وخلص الباحثان إلى أن الخطب المدروسة تنقل رؤية وصفاها بالمهيمنة والمتماسكة وطويلة الأمد، تجمع بين الحفاظ على الاستمرارية التاريخية للدولة، وتشخيص الوضع القائم، وتحديد التحديات، والإعلان عن توجهات ومشاريع جديدة.
وأطلقت الدراسة على السردية الجامعة لهذه الخطب وصف «المغرب في مرحلة انتقال»، معتبرة أنها تقدم مشروعاً مجتمعياً يتجدد عبر تراكم التوجيهات الملكية، بدل وروده كاملاً داخل وثيقة واحدة أو خطاب منفرد.
وأوضحت أن خطب العرش وافتتاح البرلمان لا تقدم عادة جميع تفاصيل الرؤية وأهدافها دفعة واحدة، بل تتشكل ملامحها عبر تراكم الخطابات، مع تجديد التوجيهات وإعادة ترتيب الأولويات وفق المتغيرات الداخلية والخارجية.
ورصدت الدراسة حضوراً متكرراً للدعوة إلى التنفيذ وتحديد مسؤوليات المؤسسات، إلى جانب الإعلان عن رؤى وإصلاحات وقرارات في مجالات التعليم والتشغيل والاقتصاد والتنمية البشرية والحكامة والبنيات التحتية والطاقة والعدالة والهجرة والشباب والجهوية والتنمية الترابية.
كما سجلت أن التشاور مع الفاعلين والمؤسسات والمواطنين يسبق اتخاذ القرارات في عدد من القضايا الوطنية الكبرى، سواء عبر لقاءات مباشرة أو بواسطة مؤسسات وطنية مستقلة ولجان مؤقتة مكلفة بإعداد رؤى وتوصيات.
واستشهدت الدراسة بتجربة إعداد النموذج التنموي الجديد، مشيرة إلى أن اللجنة المكلفة بالمشروع تلقت 6600 مساهمة مكتوبة، قبل اعتماد خلاصات تقريرها والتأكيد، خلال خطاب العرش لسنة 2021، أن تنفيذ النموذج مسؤولية وطنية تشمل الدولة والأحزاب والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والنقابات والمجتمع المدني والمواطنين.
ووفق هندسة القرار التي رسمها الباحثان، يوجد الملك في أعلى المستوى الاستراتيجي، حيث يقرر الرؤى العامة والقطاعية ويحدد ما وصفته الدراسة بـ«المستقبل المفضل»، بينما تنتقل مهمة التنفيذ، في المستوى التنفيذي والتكتيكي، إلى الحكومة والأحزاب وباقي الفاعلين من خلال برامج وأهداف محددة.
وأضافت الدراسة أن الخطب الملكية تؤدي في الوقت نفسه وظيفتي تأطير العمل وضبطه؛ فهي تقدم مفاتيح تفسير الاختيارات الداخلية والخارجية، وتؤطر القرارات الكبرى، وتحدد توقيت الإعلان عنها، وتتابع مستوى تنفيذها.
ويظهر البرلمان والمجلس الأعلى للحسابات، بحسب البحث، في مستوى تقييم السياسات ومراقبة تنفيذها والإنفاق العمومي، بينما تقدم المؤسسات الدستورية المستقلة واللجان المؤقتة الآراء والمقترحات المتعلقة بتوجهات السياسات العمومية.
ووصفت الدراسة هذه البنية بأنها نظام للحكامة الاستباقية، تؤدي فيه الخطب الملكية دوراً في تحديد الوجهة، وتأطير الاختيارات الكبرى، وتنسيق العمل الجماعي، ومنع التوجهات طويلة الأمد من الانهيار تحت ضغط الأولويات الظرفية.
وأفاد البحث بأن الخطاب الملكي يحظى بموقع متقدم داخل النقاش العمومي، في مقابل عدم تقديم الأحزاب السياسية مشاريع سياسية بديلة أو اضطلاعها بدور الوساطة بين المجتمع ومراكز السلطة، وفق ما أورده الباحثان في مناقشة النتائج.
وسجلت الدراسة أن الأحزاب والنقابات وجماعات الضغط تظل، بحسب المرجع الذي استند إليه الباحثان، في موقع تفاعلي أو سلبي أو تابع، مع تفاوت قدرة مختلف الفاعلين على استيعاب التوجيهات الاستراتيجية وصياغتها وتنفيذها.
وانتهى البحث إلى طرح سؤال حول كيفية تشجيع الأحزاب على تقديم رؤى وطنية أو قطاعية بديلة وذات مصداقية، واستعادة ثقة المواطنين، بما يساهم في إثراء النقاش العمومي.
وأكد الباحثان، في المقابل، أن دراستهما لم تتناول كيفية إعداد الخطب الملكية، ولم تقس تأثيرها داخل جميع القطاعات، كما لم تفحص بصورة شاملة مستوى تنفيذ مختلف التوجيهات على أرض الواقع.
وأضافا أن النتائج تظل مرتبطة بالسياق الدستوري والسياسي والديني المغربي، ولا يمكن تعميمها بصورة آلية على باقي الأنظمة الملكية، داعيين إلى إنجاز دراسات مقارنة وأبحاث إضافية حول أثر الخطب الملكية داخل مختلف مجالات السياسات العمومية.
