لم يعد الجفاف في المغرب حدثاً موسمياً يمكن اختزاله في نشرات الطقس، أو في أرقام السدود، أو في خرائط التساقطات، بل أصبح واقعاً ضاغطاً يعيد تشكيل علاقة الفلاح بالأرض، وبالموسم، وبالدولة، وبالمستقبل نفسه.
وسط هذا التحول، جاءت دراسة علمية حديثة، منشورة يوم 11 يونيو 2026 في مجلة Scientific Reports الصادرة ضمن Nature Portfolio، لتفتح النقاش من زاوية أقل تداولاً وأكثر عمقاً.
فبدل أن تقيس الدراسة كمية المطر، أو مردودية الحبوب، أو أثر برامج الدعم، اختارت أن تطرح سؤالاً مركزياً: كيف يدرك فلاحو الحبوب في المغرب مخاطر التغير المناخي؟
الدراسة، التي تحمل عنوان “Big five and higher-order personality traits matter for climate-risk perception among Moroccan farmers”، خلصت إلى أن إدراك الخطر المناخي لا تحدده فقط العوامل البيئية والاقتصادية، بل يتأثر أيضاً بعوامل نفسية وسلوكية. فقد أظهرت نتائجها أن سمات مثل الانفتاح والانبساط ترتبط بمستويات أعلى من القلق تجاه المخاطر المناخية، بينما يرتبط الاستقرار العاطفي بمستويات أقل من هذا القلق.
هذه الخلاصة لا تعني أن شخصية الفلاح وحدها تحدد موقفه من الجفاف، ولا تسمح بتحويل البحث العلمي إلى حكم سببي مباشر، لكنها تكشف ما هو أهم: الفلاح لا يتعامل مع المناخ كرقم تقني، بل كتجربة يومية معقدة، تختلط فيها الذاكرة بالخوف، والحساب الاقتصادي بالإحساس بالخطر، والقرار الزراعي بدرجة الثقة في القادم.
من هنا تبدأ القيمة السياسية للدراسة.
فالسياسات العمومية في المغرب راكمت، خلال السنوات الأخيرة، خطاباً واسعاً حول التكيف مع التغيرات المناخية، من تدبير ندرة المياه إلى توسيع السقي، ومن التأمين الفلاحي إلى الدعم الظرفي، ومن المخططات الكبرى إلى البرامج القطاعية. غير أن قوة هذه السياسات لا تُقاس فقط بما تعلنه من أرقام، بل بقدرتها على الوصول إلى الفلاح بلغة يفهمها، ومعلومة يثق بها، ومواكبة تساعده على اتخاذ القرار في لحظة الشك.
الفلاح الذي يواجه موسماً غامضاً لا ينتظر خطاباً عاماً عن المناخ، بل ينتظر جواباً عملياً عن أسئلة مباشرة: ماذا يزرع؟ متى يستثمر؟ هل يقترض؟ هل يغامر؟ هل يواصل في زراعة الحبوب أم يغير اختياراته؟ وهل توجد سياسة عمومية قادرة على تقليل كلفة الخوف قبل أن يتحول إلى انسحاب صامت من الإنتاج؟
هنا تظهر حدود المقاربة الإدارية الصرفة فالجفاف لا يُواجه بالسدود والبنيات المائية وحدها، رغم أهميتها، ولا بالدعم الموسمي وحده، رغم ضرورته، بل يحتاج أيضاً إلى إرشاد فلاحي ذكي، وتواصل مناخي قريب، ومعلومة دقيقة تصل إلى الفلاح في الوقت المناسب، وبطريقة تراعي اختلاف الفلاحين في فهم الخطر واتخاذ القرار.
الدراسة لا تدين الحكومة، ولا تقدم حكماً سياسياً جاهزاً، لكنها تضع خطاب التكيف المناخي تحت المجهر، وتذكر بأن الفلاحين ليسوا كتلة واحدة، وأن إدراكهم للخطر يختلف باختلاف ظروفهم وتجاربهم وسماتهم النفسية والسلوكية ومن دون فهم هذا الاختلاف، قد تتحول السياسات الكبرى إلى لغة تقنية لا تجد طريقها كاملاً إلى الحقل.
المفارقة أن المغرب يتحدث كثيراً عن المناخ باعتباره ملفاً استراتيجياً، لكنه مطالب اليوم بأن يجعل هذا الخطاب أكثر قرباً من الواقع القروي.
فالمخططات لا تكسب فعاليتها فقط من حجم الاعتمادات أو عدد البرامج، بل من قدرتها على بناء الثقة، وتخفيف القلق، وتحويل المعلومة إلى قرار عملي لدى الفلاح.
الجفاف لا يضرب الأرض وحدها، بل يضرب المزاج، والقرار، والثقة، والرغبة في الاستمرار. وحين يصبح المناخ أكثر قسوة، لا يكفي أن تقول الحكومة إنها واعية بحجم الخطر، لأن الوعي الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه المعرفة إلى سياسة تتكلم بلغة الفلاح، وتحترم خوفه، وتستبق قلقه، وتساعده على أن يبقى منتجاً لا متفرجاً على موسم يزداد غموضاً.
